من الأدعية المأثورة عن سيدي محمد بن عزوز البرجي رضي الله عنه:   اللهم ارحمني إذا وَاراني التُراب، ووادعنا الأحباب، وفَارقنا النَّعيم، وانقطع النَّسيم، اللهم ارحمني إذا نُسي اسمي وبُلي جسمي واندرس قبري وانقطع ذِكري ولم يَذكرني ذَاكر ولم يَزرني زَائر، اللهم ارحمني يوم تُبلى السرائر وتُبدى الضمائر وتُنصب الموازين وتُنشر الدواوين، اللهم ارحمني إذا انفرد الفريقان فريق في الجنة وفريق في السعير، فاجعلني يا رب من أهل الجنة ولا تجعلني من أهل السعير، اللهم لا تجعل عيشي كدا ولا دُعائي ردا ولا تجعلني لغيرك عبدا إني لا أقول لك ضدا ولا شريكا وندا، اللهم اجعلني من أعظم عبادك عندك حظا ونصيبا من كل خير تقسمه في هذا اليوم وفيما بعده من نور تهدي به أو رحمة تنشرها أو رزق تبسطه أو ضر تكشفه أو فتنة تصرفها أو معافاة تمن بها، برحمتك إنك على كل شي قدير، أصبحنا وأصبح كل شيء والملك لله، والحمد لله، ولا اله الا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت، وهو على كل شيء قدير

الأجوبة المكية عن الأسئلة الحجازية للشيح محمد المكي بن عزوز

الحمد لله ربّ العالمين و الصّلاة و السّلام على أشرف الأنبياء و المرسلين سيدنا محمد و على آله و صحبه أجمعين و بعد :
فمن الأجوبة المانعة التي يعي فيها طالب العلم مدى تبحر صاحبها رسالة عتيقة الطبع للعالم النحرير سليل العلماء الأفاضل السيد محمد المكي بن عزوز الحسني البرجي الجزائري ثم النفطي التونسي المغربي المالكي المتوفى سنة 1334هـ، وهو النظم الذي أجاب به عن سؤال نظمه الشيخ عبد الحفيظ القاري الطائفي له حول بعض المسائل التي تتعلق بالقرآن الكريم.
وسؤال الطائفي كان يدور حول خمس مسائل:
المسألة الأولى: حول تحريف القرآن العظيم في التلاوة وتغيير بعض الحروف التي اتحدت مخرجها.
المسألة الثانية: في بيان مخرج الضاد وكيفية النطق به.
المسألة الثالثة: بيان وقوف القرآن الكريم وهدي السلف في ذلك.
المسألة الرابعة: التغني بالقرآن الكريم وبيان الجائز والمحظور من ذلك.
المسألة الخامسة :فيما يتعلق بتفسير القرآن الكريم بمقتضى الرأي والأفكار الحادثة الجديدة؟
فبعد الثناء على الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، ذكر الشيخ عبد الحفيظ القاري الطائفي سبب تأليف هذا السؤال، وهو لما وجد عند سفرته من الحجاز إلى مصر وغيرها من تضييع لحق القرآن وتحريف لحروفه وتفسير مخالفٍ، خطر على باله أن يسأل العلماء نصحا لكتاب الله تعالى وللمسلمين، فقدم (سؤاله المنظوم إلى علامة العرب والروم) الشيخ محمد المكي بن عزوز.
وتمثل السؤال في أبيات عددها (40) حلاها ناظمها بذكر مكانة الشيخ المكي العلمية وتبحره في الفنون، وأن الذي يكشف مثل هذه المعضلات لا يكون إلا عالما حقا، قد طال باعه واتسعت معارفه، وكيف لا "وقد عرف الشيخ المكيّ بن عزوز بسعة الاطلاع وغزارة المادّة العلميّة وتنوّعها، وكان ميله إلى الأثر ومدرسة الحديث ملموسا في كتبه، مع دعوته إلى السنة واتباع السلف في التوحيد، ونبذه للتقليد الأعمى رافعًا شعار السلف " إذا صحّ الحديث فهو مذهبي" وأثرى منهجه العلمي باطلاعه على الأفكار والتيّارات المستحدثة في عصره، فلم يكن بمعزل عنها، وهذا هو وصف العالم المصلح في قومه، الذّابّ عن دينه وسنة نبيّه صلى الله عليه وسلم."(1)
ثم أتبع كل هذا بذكر المسائل المسؤول عنها.
فجاء جواب العالم الشيخ محمد المكي بن عزوز في (131) بيتا، كافيا ووافيا للمقصود، أزال به ما أشكل على الكثير بأسلوب أدبي رائق، حتى جاء في آخر الرسالة ما نصه (6):
"ومن اللطائف أن بعض أدباء الشرق لمّا سمع هاته القصيدة قال: ما رأينا نظما علميًّا مكتسيًا جلباب الأدبيات غير هاته القصيدة، ومعلوم أن ذلك لا يتم إلا لطويل الباع من الجهتين" انتهى
حول المطبوع:
طبعت الرسالة لأول مرة بالمطبعة المحمدية المصرية بجوار الأزهر سنة 1322هـ، يعني في نفس السنة التي كتبها فيها الشيخ محمد بن مكي، ونجد هذا مصرحا به في طرة الكتاب:
"طبعت بعد الإذن من المشار إليهما على نفقة السادات أحمد ناجي الجمالي ومحمد أمين الخانجي وأخيه لتعميم الفائدة. توزع للفقراء من طلبة العلم مجانا"
وجاء في آخر الرسالة :" تمّ بحمد الله وحسن توفيقه طبع هذه القصيدة الغراء الجامعة لما تشتّت في بطون الكتب المؤلفة في تحرير هذه المسائل المحتوية على ما لم (هكذا) يوجد في غيرها، وكان انتهاء ذلك في أواخر شهر جمادى الآخرة سنة 1322هجرية على صاحبها أفضل الصلاة والتحية.
و يقع المطبوع في ستة أوراق عليه حاشية لتفسير بعض الكلمات، طبع كما ذكرنا آنفا منذ قرن وثمان سنوات، فارتأيت بعد معونة الله تعالى أن أكتب الأبيات وأضعها للقراء الكرام، عسى الله تعالى أن يقيض لهذا النظم الفائق والفن الرائق من يخدمه خدمة علميّة تليق بمقام النظم وصاحبه الشيخ محمد المكي بن عزوز، ضبطا وشرحا، والله أسأل أن يرزقنا الإخلاص في القول والعمل، وأن يجعل القرآن ربيع قلوبنا ونور صدورنا وجلاء همومنا وغمومنا، راجيا القارئ الكريم أن لا ينس ناظمه وكاتبه بالدعاء والمغفرة إنه تعالى جواد شكور.
بداية السؤال :

الحمد لله الّذي خصّ لغة العرب بالضّاد وميّزهم بما خوّلهم عن مشابه ومضاد ، و الصّلاة والسّلام على من قال اقرؤوا القرآن بلحون العرب صلّى الله عليه و على آله وصحبه الّذين بإتباعه نالوا الأرب وسلّم تسليما كثيرا إلى يوم الدّين وبعد فيقول الحقير المعترف بتقصيره في خدمة الباري عبد الحفيظ بن عثمان القاري انه لما زالت ركابي عن الرّحاب الحرميّة والأقطار الحجازيّة وسارت في السّياحة إلى الأقطار المصريّة والممالك الرّومية سمعت في كلام الله عزّ وجلّ ما يوجب الانزعاج ويجلب الوجل من تحريف وتفسير مخالف وألحان يفترض إنكاره على كل إنسان ، خطر خاطري الفاتر وفكري القاصر أن أسأل العلماء الأعلام عمّا دهى الإسلام في هذه الأعوام ليبيّنوا للمسلمين عموما وللقرّاء خصوصا الحلال والحرام فقدّمت هذا السّؤال المنظوم إلى علاّمة العرب والرّوم الأستاذ الكامل جامع الفضائل ومقدم الأفاضل السّيد محّمد مكّي بن عزّوز التّونسي سلّمه الله تعالى واسأل الله التوفيق والله يهديني والمسلمين لأقوم طريق آمين .
1- ما قولكم يا صفوة العلمـاء أنتم شموس العلم عين هداء
2- أنتم هداة الخلق إذ عم العمى أنتم بذور الحق ضد شـقاء
3- أنتم نجوم العدل وراث الهدى بالحق عن طه لدى الإنبـاء
4- أنتم شفاء الداء إن عدم الدوا أنتم دواء الجهل في الأحياء
5- انتم قذى في عين كل معاند لم يلق نورا بل حظى بعماء
6- هذا كلام الله غير لفــظه عمدا بكـل تعنت ومراء
7- فالثاء سين أبدلت و الذال زا والوقف لا تسل عن الخلطاء
8- والضاد ظاء أبدلت يا سادتي وكظل ضل بنطق كل هجاء
9- هل مخرج للضاد يتلى أم له ثان أفيدوا جملـة العلماء
10- وهل التفشي من صحاح صفاته في قول حبر جـاء للقـراء
11- هل م الطواحن مخرج أم في التي وليت لأضراس لدى الإقراء
12- كم فيه معترك الفحول من الألى سلفوا تآليف كسيف قضاء
13- لكنه في الكتب مندرس لقد أسمعت إن كانوا من الأحياء
14- لا يفقهون نصوص علم سطرت والشمس قد تخفى على الرمداء
15- وسمعت ظا لا مخرج فاءت له عن غير معتمد أتت بهواء
16- قالوا هي الضاد التي قد أنزلت في لفظ قرآن على الفصحاء
17- لم تعرف العرب الذي بلسانهم نزل الهدى حرفا بغير ثواء
18- أم هو اختراع في زمان قل فيـ ـه العلم والإنكار من علماء
19- هل في الصلاة تجوزون قراءة من غير تجويد و فرط عناء
20- ما الحكم إن تاليه غير مخرجا مع قدرة للضاد أو للظاء
21- لا يستحي لما يخاطب ربه باللحن في جهر وفي إخفاء
22- ما حكمه في الشرع يا أهل النهى حال التعمد في دعا و ثناء
23- هذا كلام الله معجزه خلقه هو للقلوب جلا وعين شفاء
24- هو حافظ تنزيله بجلاله وموفق يحميه من أعداء
25- حارت عقول الكفر في إعجازه ما استكشفوا وجدوه في الإحصاء
26- قد صححوا ألفاظه في طبعه والغمر يقرؤه كلحن غناء
27- هل جائز وضع المثاني كالأغا ني في المعاني مجلس السفهاء
28- أو وضعه في آلة قد أحدثت للصوت حفظا عند قصد حداء
29- كالذكر يمنع ما أتى للدين من خطب الأذان لمنهج الحنفاء
30- أو فسروا طيرا أبابيل بمكـ روب و سجيلا بطين حماء
31- فمن اهتدى فبفهمه قد أخرج الـــــــ ــعلم الغزير إلى عيون الرائي
32- من نرتجي للدين يكشف غمة عمت على الإسلام بالإغماء
33- غير ابن عزوز إمام للهدى بالحق يفتي لا بأخذ رشاء
34- من مغرب في مشرق يبدي السنا في المطلعين له ضيا كذكاء
35- من ذا الذي يرقى ويبلغ شأوه هذا لعمري واحد الفضلاء
36- إن كان فينا قائم فهو الذي بالعلم يرقى ذروة الجوزاء
37- أفتوا الأنام بكشف ما وضحته في ذا السؤال لمعشر القراء
38- فالقارئ المضطر يدعو دائما بخلاصنا من حالة الغرباء
39- يا رب طه بالنبي وآله نصرا لجند الحق عند لقاء
40- وصلاة ربي ما دعا داعي الفلا ح على النبي وآله النبهاء
المقر بالتقصير في خدمة الباري خادم العلماء عبد الحفيظ القاري لطف الله به.
الجواب
1- وافت تبختر في سنا وسناء ليرى الأنام نموذج الحوراء
2- أقلادة في جيدها اتسقت فما تركت جمال النظم للجوزاء
3- أم ثغرها اللألاء أومأ برقه لوصال مضناها وقطع جفاء
4- ما ذا السواد أذي ذوائب فتنة برزت لتصبي كُمل العظماء
5- أم ذي عيونُ كواعب صفّت لكي تغتال أُسدا وهي سرب ظباء
6- كلا وفهم الجدّ فافهم إن في ذوق المعاني نشوة الصهباء
7- في عالم الأفكار أضعاف لما يهواه جسم إذ يراه الرائي
8- ولكل مرتبة وكل دراية أهل فجد بالعذر للجهلاء
9- ايه أخ النصح المبين فهات لي ما يستطاب لدى ذوي الاحجاء
10- يا ذا الحبيب تحركت بك غيرة دينية في همة شمّاء
11- لما رأيت مراسم الإسلام في نقص وكانت في انتظام نماء
12- وتلاوة القرآن ثم صلاتنا قد ضيعا في السر والإبداء
13- قد ضيعا بالجهل أو بتساهل إيثار حظ النفس والأهواء
14- فطفقت ترشد معربا سنن الهدى بالجهد سالك مسلك النصحاء
15- تبغي المعين وأنت في زمن به ذو الدين وفق النص في الغرباء
16- من أجل ذا استفتيت والفتوى بما ستراه ليست عنك ذات خفاء
17- فقريضكم يحوي مباحث خمسة تدقيقها للروح خير غذاء
18- فقريضكم ضيف عزيز ما ارتضى نزلا بغير منصة الأحساء
19- لكن بما يقري قنوعا هكذا أخذا وتركا عزة الكبراء
20- فخذ الجواب ولكل علم إجابة بدئت مزيته بالاستفتاء
مبحث تحريف القرآن العظيم في التلاوة
21- تحريف لفظ من كتاب الله عن عمد ضلال فيه كل شقاء
22- ومن التعمد من تلا مستعجلا عجلا يخالف مجمع القراء
23- ولعادة ولرب تابع عادة ضلت مراشده بظن نجاء
24- من ذاك قلب الذال زايا صافرا والسين يجعله محل الثاء
25- لو كان فاعل شبه ذلك أعجما لا يستطيع تلفظ العرباء
26- أو كان يخطئ ذاهلا فالشرع قد منح المكلف عثرة الإخطاء
27- ولقد سمعنا قارئا في مسجد يتلوه أعجم راكب الهوجاء
28- وبذلك النادي تلاه محررا مثل الأعارب معدن الفصحاء
29- هذا تلاعب عامد أم جاهل بمكانة القرآن ذي استزراء
30- قال الرضا القاضي عياض والرضا ملا علي القاري قِرَى الكرماء
31- تبديل حرف مجمع عنه إذا عمدا جرى كفر بلا استثناء
32- وأفادنا النووي هذا الحكم من إجماع هذي الأمة الغراء
33- تجويده لا سيما بصلاتنا حتم ومأمور بالاستيفاء
34- وصلاة ذي لحن على خطر ففي بطلانها خُلْفٌ لدى العلماء
35- وخليل(1) أفهم في إمامة لاحن تفصيل حكم ضيق الأرجاء
36- إن كان في أم الكتاب عثاره لا خُلفَ في البطلان للفقهاء
37- واختار بناني فاس صحة ميلا ليسر الملة السمحاء
38- لكن مع التحريم إن وجد الذي يدري حدود مبيني الإقراء
39- ومتابعوا النعمان أرجح قولهم للغانمي(2) المشرق الأضواء
40- بطلانها إن كان أهل تعلم أما العوام فأفت بالإعفاء
41- وشبيهها فتوى الرضا النووي في شرح المهذب درة العرفاء
42- والهيتمي(3) الفذ عالم مكة أبداه معتمدا بحسن جلاء
__________
(1) خليل المالكي صاحب المختصر.
(2) الشيخ علي بن غانم المقدسي.
(3) ابن حجر.
بحث النطق بالضاد
43- ثم امتياز الضاد سهل عند من عاناه بالتلقين والإلقاء
44- وله التباس غالب بالظا فمن عرف الحدود يفوز بالعلياء
45- الضاد مخرجه بحافة مقول يمنى أو اليسرى بغير عناء
46- بلصوقه الأضراس وهو بمخرج فرد على الجهتين في الأنحاء
47- فردٌ بوصف الاستطالة ماله زحْمٌ كمثل الأحرف الشركاء
48- وبكونه لمقدم الفم عنده قرب قليل جاوزوا للظاء
49- والحال بين المنطقين تغاير فرق جلي مثل شمس ضحاء
50- والصاد بالإطباق فارق سينه فأولا(1) أمام الفم خطّ سواء
51- ومن الخطا في الظاء يلفظ حرفه دالا يفخمه مع استعلاء
52- أو باللسان يمس جلد الحنك أو شفة عن الأضراس نطق نائي
53- والبعض يلفظه كلام فخمت والكل منعوت بنعت عداء
54- للفظ بدله مع المعنى وذا التحريــــف من يرضي عدا البلداء
55- للضاد شرط لا يكون لغيره فاسمعه فيه العون للإملاء
56- ريح من الفم بانضغاط بارز معه فتسمعه كنقر إناء
57- لكن بغير تعسف كتعمد بالنّفخ والغالي(2) رعين بلاء
58- ويظنّ بعض المعتنين وأخطؤوا أن استطالته بطول بِطاء
59- يمضي زمانا في تكلف نطقه فيفوته قصد مع الإعياء
60- فالاستطالة في مكان حازه لا في الزمان و لابصوت هواء
61- صفة التفشي ما فشت ومفيدها الــــطود الخليل من القدا(3) الفضلاء
62- فتعقبوه ورد فالأحرى به شين هو المقروء في الانداء
63- الضاد مضبوط مبين ما رأتْ فيه التفشي دقة البصراء
64- ووجوبه نطقا بلا ريب فمن يلغيه زهدا يلق شر جزاء
________
(1) اسم اشارة مثل هؤلاء.
(2) صاحب الغلو الافراط في كل شيء.
(3) القدا:جمع قدوة.
مبحث وقوف القرآن
65_ أما الوقوف فتركها لا ينبغي وبعين جاهلها عظيم غشاء
66_ لولا المواقف ما استبان تعلق لكثير آي الذكر و الأنباء
67_ كان الصحابة يحفظون وقوفه كالحل و التحريم باستقراء
68_ وجمال رونقه يزيد بوقفه و الخلط شأن بصيرة عمشاء
69_ وقفوا من أنفسكم(1) عزيز وابتدوا بعليه ما بدء حليف جفاء
70_ فاختل فهم القصد واعجب أسسوا ذا في المصاحف منه مسرى الداء
71_ وسواه قس وهَلِ التدبر ممكن مع خلط نسق أمامها بوراء
__________
(1) قوله تعالى :لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيم (التوبة : 128 ) معنى عزيز عليه ما عنتم : شديد عليه عنتكم، وبالوقف على عزيز والبدء بما بعد يتبدل المعنى تبدلا سيئا كما لا يخفى.
مبحث قراءة القرآن بأنغام الأغاني
72_ أما الأغاني في التلاوة مبتلى أصحابها بمصيبة دهماء
73_إلا بجمع شروطها فاسمع لما يُتلى عليك وشُدّه بوِكاء
74_أن لا يقدم نغمة التحسين في صوت على قانون علم أداء
75_مدا لمقصور وقصر مديده كالإدِّغام وغنة إخفاء
76_و سواه من آدابها فمفرط تبعا لأنغام من الجُنّاء(1)
77_هذي الشروط بالاتفاق لقارئ أما الذي ينحوه للإصغاء
78_وافى لسمع الذكر إلا أنه يختار صوتا راق أهل ذكاء
79_فالقصد يستمع الكتاب تدبرا لا لاشتهاء النفسِ صوتَ غناء
80_ودليله أن لا يفارق قلبه معنى الكلام بنغمة حسناء
81_ ومن المشاهد أن مستمعي أولا يتأوّهون كمُشتكي الأرزاء
82_ والبعض يطربه السماع وربما يهتزُّ صائِحَ صيحة السَّراء
83_ سَلْهُم أمعنى الذكر وقتئذ دَرَوْ كلا وربِّ الغيث والأنواء
84_ ما ثَمَّ جوفٌ يحتوي قلبين دَعْ تلبيس أهل الغَيِّ والإغواء
85_ ما جيء للقرآن إلا للهدى بحضور قلبِ تخشعٍ وبكاء
86_ ما يستحون من اتخاذ كلامه سبحانه للهو سترَ وقاء
87_ وسماعه من آلةٍ وأذانها لعبا وتتلوا خطبة الخطباء
88_ هزؤا بدينهم لطمس بصيرة تبّا لمعشر شِقوة سفهاء
89_ وارْدِفْهُ ذكر معقبات صلاتهم يَزقِي(2) مسبِّحُهُم كهزلِ مُكاء
90_ فالذّاكِرُون تَلعثَمُوا غَلَطًا به والمنصِتُون لَهَوْ بِسَمْعِ حداء
91_ واسمع لبدعيٍّ ينادي بالدُّعا تنميقه في سجعة الوَرْقَاء(3)
92_ آمين آمين المُغَنَّى باسمها أجمالُ صوتٍ مُسرِعٌ بعطاء
93_ أَوَرَبُّك الرحمن في بُعدٍ غَدَا يحتاج من داعٍ رفيعَ نداء
94_ أمر النبي بخفض صوت مسبح وتضرعٍ ذِي خُفْية بدعاء
95_ وبه كتاب الله جاء مصرِّحا أيثاب ذكرُ تصنعٍ ورياء
96_ لم يعلموا من كان يعمل مثل ذا للاقتراب يجابُ بالإقصاء
97_ والعلة الكبرى التي منها البَلا داءُ التَّعَوّدِ معضل الأدواء
98_ كم بدعة ورذيلة سهلت على قومِ بها اعتادوا بلا استحياء
99_ كم سنة وفضيلة سبقت لمن ما اعتاد ينظرها من البَلْوَاء
100_ أين التقى يا خير أمة اخرجت للناس ذات شريعة زهراء
101_ أمرا بمعروفٍ ونهيِ مناكرٍ يا فوز شهمٍ آمرٍ نهّاء
_______
(1) جمع جان من الجناية.
(2) يزقي يصيح.
(3) الورقاء الحمامة.
بحث تفسير القرآن بمقتضى الأفكار الجديدة
102_ أما الذين يفسرون كلامه سبحانه بالحَدْثِ والآراء
103_ ولعوا بفلسفة رأَوْها حجة معصومة من زلة وخطاء
104_ شمّوا روائحها و بعض قلَّدوا صُبغ القرين بصِبغة القرناء
105_ وتجرّؤا حتى بها وزنوا لهم أخبار غيب صحّ بالإيحاء
106_ هذا من الإلحاد في آياته والملحدون معاضدوا الأعداء
107_ إيماننا بالغيب أول مطلع في المصحف المتبوع للسعداء
108_ تفسيرهم طيرا أبابيل بمكـــــروب تعدٍّ جالب الأسواء
109_ أي اضطرار موجبٌ لعدولنا عن ظاهرٍ بمحجّةٍ بيضاء
110_ والشرط في التأويل رد العقل ما في ظاهر بالقطع قطع مضاء
111_ للعقل أيضا منتهى من جازه في الحال يُصْمَ بفتنةٍ عمياء
112_ جزموا بظنِّيَاتِهم شغفا بها والظن غير الحق في الأشياء
113_ مست عقائد في الصريح ورودها قالوا اقتضته قواعد الحكماء
114_ يا قوم ما لكُمُ خلطتم ذا بذا لا تَعقِدُوا عقدا بغير ضياء
115_ تصديق ما شادوا بنهج ضائع لا ضير تسليما إلى الخبراء
116_ إذ ثم مكتشفاتُهُمُ والدين لا ينفي حقائقها لدى العقلاء
117_ أما الذي هو من وراء فُهُومِهم حَجَرٌ على فَمِ مُعتَدٍ خطّاء
118_ سبحانك اللهم هذا منكر بهتانُ فاكتبنا من البرآء
119_ شكرا لمن أسدى لنا أنشودة تزري ببهجة روضة غناء
120_ هذا وقد هيجتَ لي أسفا خبا(1) وأثرت لي أملا لنجع دواء
121_ فعسى نهوضك فيه نفعٌ للورى إذ كنت صالحَ نيةٍ بصفاء
122_ أهل لها عبد الحفيظ وخدنها في فطنة ومعزّة قعساء(2)
123_علم كعلمك نافعٌ تَهدِي به والنفعُ رأسُ الشُّكرِ للنَّعماء
124_ اقبل جوابا تمَّ ضِمْنَ قصيدةٍ طَاغَتْ قوافيها بلا استثناء
125_ وَافَتْكَ تَرْفُلُ في مطارف قدرها محمورة الوجنات ذات حياء
126_ للمصلحين تمتعٌ وكفيلةٌ ببصارة الأنوار والظلماء
127_ ولمن تعدّى الحدّ شرعا سهمُه منها شرارة منذرِ الاصلاء
128_ كعصا الكليم له متاعٌ والبغـــــات أتتهم في حية رقطاء
129_ يا رب وفق والذنوب اغفر لنا وكن الوليَّ لنا وجُدْ برضاء
130_ وصِلِ الصلاة مع السلام على الذي ختم النبوة سيد الشفعاء
حرره محمد المكي بن عزوز بالأستانة العلية غرة جمادى الأولى سنة 1322هـ.
والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات وصلى الله علي سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
ناسخه آل شطارة الجزائري.
________
(1) قوله خبا أي سكن وهو اشارة إلى غلبة الشر على الخير في هذا الزمان حتى خرت عزائم الصالحين من أهل الإحساس.
(2) أي ثابة كالعز الأقعس.

ورحم الله سيدي محمد المكي بن عزوز ونفعنا ببركاته آمين
الفاتحة
تكملة الموضوع

إصدارات جديدة : ديوان البرجي محمد المكي بن عزوز

عن دار الخليل القاسمي للنشر و التوزيع و بدعم من وزارة الثقافة في إطار الصندوق الوطني لترقية الفنون و الآداب صدر مؤخرا ديوان البرجي للشيخ محمد المكي بن عزوز البرجي الطولقي جمع ودراسة الأستاذ عبد الحليم صيد .
الكتاب يعد إضافة جديدة للمكتبة العربية في الميدان الشعري نظرا لكون الشاعر من الوجوه العلمية و الأدبية البارزة في عصره .
يقع الديوان الذي جاء في حلة أنيقة مجلدة في 400 صفحة من الحجم الكبير مقاس25.3*17.3سم
استعرض الناشر في كلمة التصدير شخصية محمد المكي بن عزوز الذي يعد من الأعلام الذين تفتخر بانتسابه إليهما الجزائر و تونس و قد تضاف تركيا، فمن الأولى أصله و توجيهه و في الثانية نشأته و تحصيله و في الأخيرة تعليمه ووفاته و هذا من خلال ما نشر حوله في المشرق و المغرب العربي في كتب التراجم منها :
- (معجم أعلام الجزائر ) للأستاذ عادل نويهض
- (الأعلام ) لخيرالدين الزركلي
- - (تراجم الأعلام) للشيخ محمد الفاضل بن عاشور
- - (فهرس الفهارس و الإثبات ) للشيخ محمد عبد الحي الكتاني
- - (عقيدة الإسلام ) تقديم الأستاذ محسن زكريا
- - (نهضة الجزائر الحديثة و ثورتها المباركة ) للأستاذ محمد علي دبوز
- - (تاريخ الجزائر الثقافي ) للدكتور أبي القاسم سعد الله
- و نوه في ختام الكلمة بالأستاذ عبد الحليم صيد الذي ( يغتنم معظم وقته في البحث و الجمع و التأريخ للهداة من رجالات هذا الوطن العزيز الثري بالمآثر باذلا جهده لتبليغها للأجيال ).
- للتعريف بالشاعر محمد المكي بن عزوز توقف الأستاذ عبد الحليم صيد عند عدة محطات بارزة في حياته من مولده سنة 1854 في مدينة نفطة بالقطر التونسي إلى غاية وفاته سنة 1915 بمدينة اسطنبول بتركيا ،حيث تولى الإفتاء و القضاء بنفطة و التدريس بجامع الزيتونة المعمور بتونس كما درس أيضا بدار الفنون و مدرسة الواعظين بتركيا . و قد رثاه العلماء و الأدباء من مختلف أقطار العالم الإسلامي منهم ابن أخته العلامة محمد خضر حسين و الشيخ الطيب العقبي .
- كما ذكر القارىء بمؤلفات محمد المكي بن عزوز المطبوعة و المخطوطة و التي بلغت 108 مؤلفا في علوم شتى منها الفقه و الحديث و التوحيد و التصوف و الفلك و القراءات بزيادة خمسة عناوين لم يتم الإشارة إليها في المراجع السابقة .
- وللأمانة العلمية كشف عن مصادر و مراجع هذا الديوان التي استقى منها القصائد و هي :
- - (ديوان المكي بن عزوز ) جمع و نسخ الشيخ الصادق بلهادي العقبي .
- - كتاب (محمد المكي بن عزوز حياته و آثاره ) للأستاذ علي الرضا الحسيني
- - كتاب (مجموع الرسائل ) جمع الأستاذ علي الرضا الحسيني.
- - كتاب (الزهر الباسم في ترجمة الشيخ محمد بن أبي القاسم ) للشيخ محمد بن الحاج محمد الهاملي .
- - قصيدتان مخطوطتان قدمهما الأستاذ محمد فؤاد القاسمي الحسني للمؤلف
- - (السيف الرباني في عنق المعترض على الغوث الجيلالي ) للمكي بن عزوز .
- - ( تعطير الأكوان بنشر شذا نفحات أهل العرفان ) للشيخ محمد الصغير الجلالي .
- - قصيدة مخطوطة من مكتبة الشيخ عبد المجيد حبة .
-
- و بعد تحليل جملة من القصائد استنتج المؤلف أن شعر المكي بن عزوز جيد السبك حسن العبارة سلس الألفاظ يتراوح من الجيد إلى الحسن خاصة أن الرجل عالم بالدرجة الأولى متخصص في علوم الدين لذلك جاء شعره مصطبغا بصبغة علمية و أخرى دينية مما أفقده في بعض المواضع الصور الفنية الموحية .
- الديوان قسم حسب الأغراض الشعرية التي تناولها الشاعر في قصائده و هي ستة أقسام منها التصوف و المدح و الرثاء و الإخوانيات و التقاريظ والمتفرقات .و بعملية إحصائية فإنه يحتوي على 59 قصيدة و 08 مقطوعات تقع كلها في 2063 بيتا ،مع تحديد الأوزان الشعرية لكل قصيدة نظرا لخلوها من ذلك في أغلب المصادر .
- و في ملحق النصوص أثبت المؤلف قصيدتين (البائية ) و (نفح المواسم ) و هما بخط الشاعر نفسه،و باعتبارهما من القصائد النادرة مع ( الاستغاثة ).
- للإشارة فإن الأستاذ عبد الحليم صيد من مواليد 14/11/1968 ببسكرة باحث في تاريخ منطقة الزيبان و أعلامها وله اشتغال بالحديث النبوي
- متعاون منتج بإذاعة بسكرة الجهوية و صاحب برنامج أسبوعي (أعلام من الزيبان ).
- . .صدر له:- كتاب (أبحاث في تاريخ زيبان بسكرة )/ صدر سنة 2000
- - مجموع محاضرات و مقالات الشيخ عبد القادر عثماني /صدر سنة 2005
- - ديوان الشيخ عبد المجيد حبة /صدربالإشتراك سنة1997 -
- من أعماله المخطوطة :
- - جولات في الفن الإسلامي
- - الأناشيد المدرسية لتلاميذ المدارس الأساسية
- - معجم أعلام الزيبان -
- - الشيخ عبد الرحمن الأخضري حياته و آثاره .
تكملة الموضوع

ديوان البرجي في حلّة بهيّة

ديوان البرجي في حلّة بهيّة في حلّة بهيّة وطبعة أنيقة ظهر إلى النور ( ديوان البرجي )، لصاحبه محمّد المكي بن عزوز البرجي الطولقي(البسكري - الجزائري)، على يد كاتب مثابر وباحث دؤوب وجاد هو الأستاذ عبد الحليم صيد 1 ، ليهدي إلى المكتبة الجزائريّة والعربيّة إضافة جديدة في عالم الشعر والإبداع ، ويستنقذ بذلك تراثا أدبيّا كاد يعفي عليه النسيان، وتطوي صفحته الأيّام.
جاء هذا الديوان – الصادر عن دار الخليل القاسمي للنشر والتوزيع وبدعم من وزارة الثقافة ( الجزائر ) – ليضيء جانبا هاما من حياة الشيخ محمّد المكيّ بن عزوز البرجي، الفقيه القاضي الأديب ، وليسعف الباحث الأدبي والتاريخيّ بمادة غنيّة وثريّة ؛ تكشف عن شخصيّة كبيرة وقامة عملاقة من قامات الجزائر الشاهدة على الفكر والأدب والتاريخ.
وقد قام الأستاذ عبد الحليم صيد بعمليّة بحث متميّزة وجادّة لجمع الدّيوان وإخراج قصائده إلى النور في شكل ممتاز، وهذا العمل هو أقرب ما يكون إلى عمل المحققين ، إذ جمع الدّيوان من مراجع كثيرة ومتنوّعة أبرزها المراجع التي بعث بها إليه الأستاذ علي الرّضا الحسيني من سوريا ، والسيّد محمّد فؤاد القاسمي الهاملي، كما رجع إلى عدّة باحثين وكتاب ألفوا عن هذه الشخصيّة أو ذكروها في كتبهم.
الدّيوان:
قدّم للديوان الأستاذ القاسمي بمقدّمة تعريفيّة عن الشيخ محمّد المكي بن عزوز البرجي وحياته، وقدم له أيضا الأستاذ الباحث عبد الحليم صيد بمقدّمة ضافية ذكر فيها حياته بمختلف مراحلها ، وتعرّض إلى نشاطه العلمي والفكري ، وذكر مؤلفاته التي تركها بشيء من التفصيل ، كما تحدّث عن جهوده في جمع الدّيوان وإعداده للطبع ، وخطته في ذلك، ومما جاء في تلك المقدّمة قوله:
" يتألف من تسع وخمسين ( 59 ) قصيدة وثماني مقطوعات شعريّة موزعة على ستة أقسام هي التصوّف والمدح والرثاء والإخوانيات والتقاريظ والمتفرقات والكلّ بمجموع ألفين وثلاثة وستين بيتا.."
ومن اللافت للانتباه أنّ الأستاذ عبد الحليم صيد قد قام بشرح بعض غريب ما جاء في الدّيوان من ألفاظ ، والإشارة إلى ما تضمنته الأبيات من معاني قرآنيّة أو أحاديث نبويّة وأمثلة وحكم عربيّة.
وقام أيضا بعمل متميّز وهو إيراد ترجمات موجزة لكثير من الأعلام والشخصيّات التي ذكرت في قصائد الديوان، بالإضافة إلى ذلك ضبط بحور القصائد، بمساعدة الأستاذ عبد المجيد زكري ( أستاذ الأدب العربي ).
عمل جاد ومميّز:
عندما نظرت في النسخة التي أهدانيها صديقنا الأستاذ عبد الحليم صيد ، وجدت عملا رائعا يتطلب جهدا خاصا وعناية فائقة بغير شك، لاسيما في جمع القصائد من مصادرها المختلفة ، وتحقيق أبياتها ومقارنة بعضها ببعض.
قصائد الديوان:
الناظر في قصائد الديوان لا تخطئه النفحة الصوفيّة التي تضمخ جلّ قصائده، ولعلّ ذلك يرجع إلى الفترة التاريخيّة والبيئة الثقافيّة التي نشأ وترعرع فيها الشاعر ، وقضى جلّ حياته.
وقد تثير بعض قصائد الديوان لغطا كبيرا وجدلا حادّا ؛ حول التوسّل والاستغاثة بالنبيّ صلى الله عليه وسلّم، وهي قضيّة قديمة طالما تصارع حولها العلماء والباحثون، ولا فائدة من إثارتها مجددا في هذه الكلمات المقتضبة.
ولكي نضع القارئ في صورة مقرّبة إلى الديوان ، نعرض لبعض قصائده بشيء من البسط والتحليل السريع ، ولتكن البداية من القصائد التي طغت على جلّ صفحات الديوان وهي:
الصوفيات:
وهي القصائد التي وردت في قسم التصوّف والذي احتوى ثلاث عشرة قصيدة ، نذكر منها قصيدة بعنوان ( البائيّة في مناقب محمّد بن أبي القاسم ) ويقول في مطلعها:
عج بحيّ بـدره قلـب سبـا
وبخدر العز عنّي احتجبا
وابثث الشكوى لرحماه عسى
نظرة منه تزيح الوصبـا
سنة الله على العشاق مــا
عاشق نبـغ إلا عـذّب
لو يعير الحبّ سمعا ما ترى
مغرما بين الرّبوع انتحبا
ويواصل حديثه عن العشق والهيام لا في امرأة وجمالها ، ولكن في ممدوحه الشيخ محمّد بن أبي القاسم ، الذي يمتدّ نسبه إلى فاطمة الزهراء بنت رسول الله صلى الله عليه وسلّم وذلك ما يتجلّى في قول الشاعر:
الشريف بن أبي القاسم من
ضئضئ الزهراء أمّا وأبا
مجمع البحرين جا بينهما
برزخ لا يبغيان فاصطخبا
فهو يجمع النسب إلى الزهراء من جهتيه ، جهة الأب والأمّ ، وهو نسب بلا شك عريق وشريف يقال عنه فيه أنّه( معمّ ومخول )، ولكن ما علاقة المدح بالتصوّف؟ لأنّ هذه القصيدة مصنفة في قسم التصوّف .. إنّه الممدوح ذاته إذ يعدّه الشاعر من أقطاب التصوّف ورجال الطريق العاريفين أصحاب الكشوف ، ومما يقوله فيه:
من يرد دينا يجده أو يرد
مأرب العاجل يحوي المأربا
مثل ما زمزم من ينوي به
مقصدا تمّ له إذ شربا
إلى أن يقول:
إن مدحنا العارفين انبسطوا
لشهود الحق حمدا أعربا
فهو يعتبره من العارفين بالله الذين تكشف لهم حجب المعرفة والعلم 2.
أمّا من قسم المديح فنأخذ قصيدة منه القصيدة التي يستهلّ بها القسم والموسومة بـ ( العناية بالمولد الشريف )، ولقد جرت العادة أن يكون ذكر الأموات رثاء وبكاء ، أمّا في ما يتعلق بالنبيّ صلى الله عليه وسلّم فهو مديح وثناء كأنّه بيننا حيّ يرزق، بل هو كذلك أو ليس الذي قال فيه ربنا تبارك وتعالى:
( ورفعنا لك ذكرك ) وقال ( إنّا شانئك هو الأبتر )، فحق لكل شاعر أن يلهج لسانه بالمدح وقريظه بالثناء ، وهو يستفتح هذه القصيدة بقوله:
أهلا بطلعة محبوب لنا زارا
إقباله أكسب الأحزان إدبارا
أماط كرب النّوى لو دام مقتربا
لما رأينا من الأيّام أكدارا
ويتحدّث عن مقدّمات المولد النبوي وتفاصيله، ثمّ يذكر اليوم الذي ولد فيه وما وقع فيه من حوادث خارقة ومعجزات مدهشة ، حيث يقول عن ذلك:
أما ولادة خير المرسلين بدت
فيها عجائب منها الّلب قد حارا
ومن هذه الخوارق يذكر انشقاق إيوان كسرى وسقوط شرفاته ، وغيضان بحيرة ساوة وخمود نيران كسرى ..ثمّ يعرّج على مدح الشهر الذي ولد فيه النبيّ صلى الله عليه وسلّم فيخصّه بالمدح والثناء.
وفي قصيدة ثانية يمدح بها هذا الشهر العظيم شهر المولد النبوي عنوانها ( في ذكرى مولد النبيّ صلى الله عليه وسلّم ) يقول في مبتدئها:
يكفيك فخرا يا شهر ربيع الأوّل
وسنى وإسعادا وعزا يكمل
ميلاد طه المصطفى المسرى به
في جحفل يا حبّذاك الجحفل
لو كنت تحصر يا ربيع بموضع
لسعت إليك جباهنا لا الأرجل
وهذه ميزة مشتركة عند الصوفيّة عموما حيث يعطون أهميّة غير عاديّة للمولد النبوي الشريف، وربما يظهر منهم فيها كثير مما يؤاخذهم عليه غيرهم ، ويعتبرونه حيد عن الجادّة وغلوّ في إظهار المحبّة قد يوقع في شراك الشرك.
وفي قصيدة يدافع بها عن نسب الشيخ عبد القادر الجيلاني بعنوان ( الرّد على علي بن محمّد القرماني )، والذي يشكك في نسب الشيخ الجيلاني يقول في مقدمتها:
عجبت لذي احتجاج بالمحال
يحاول خفض سادات الرجال
ومن خذلانه والغيّ يعمي
يؤمل فصم نسبة خير آل
بتلفيق وبهتان وزور
فآذى أهل حضرة من ذي الجلال
وفي الإيذاء إيذان بحرب
نعوذ بربنا من ذي الخبال.
وهي قصيدة جيّدة تسفر عن حبّه الشديد لآل البيت، ونفاحه عنهم والتصدّي لكل من يخطر بباله الإساءة إليهم والتعريض بنسبهم.
وفي قصيدة يمدح بها الشيخ محمّد بن أبي القاسم الهاملي، تبين عن قوّة عارضته الشعريّة وأسلوبه المتين الذي لا يبعد كثيرا في ألفاظه ومعانيه عن الشعراء الجاهليين ومن تأسى بهم من شعراء العصر الأموي وبداية العصر العبّاسي، يقول في هذه القصيدة:
أحث وفي الحشا شوق أليم
ضوامر ليس يعييها الرّسيم
أشق بها الفدافد في ظلام
وهل ينشق من وخد ظليم
وما صدّ العتاق ولا ذويها
هجير منه يسودّ الأديم
وما لفح السّموم لمن ترجى
وصال حبيبه إلا نسيم
هي مقدّمة قويّة لو لم يعرف المرء صاحبها لقال أنّها قيلت في العصر الجاهلي أو الأموي، وهي أيضا تذكرنا بقصائد أحمد شوقي وشعراء بداية عصر النهضة، إلى أن يخلص إلى مدح الشيخ فيقول:
أروم لقاء من أحيا المعالي
فكان له بها المجد المقيم
علوما زاخرات لا تجارى
عن الأعلام مسندها فخيم
ومعظم قصائد الديوان على هذه الشاكلة ، قوّة لفظ وفخامة معنى ، وصور بيانيّة بديعة تدلّ على تمكن من الشعر وموهبة فذة ، لم تعط حظها من الدّراسة والشرح ولو تتبعناها كلّها لأغرتنا بالتطويل وكثرة التنقيب والتحليل وذاك ما يعجز عنه المقام والحال ، فنكتفي بهذا عسى أن نبلغ به التعريف والتنويه ورحم من كتب اسمه في سجلّ الخالدين بمثل عطاء الشيخ محمّد بن المكي بن عزوز، ورحم من جمع ونشر الدّيوان وأفاد به العالمين.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 - الأستاذ عبد الحليم صيد أستاذ في اللغة العربية ، باحث في التاريخ ومهتم بالدّراسات الحديثيّة ، له عدّة أبحاث وكتب ودراسات مطبوعة ومخطوطة، له اشتغال بالصحافة والإعلام ، منتج إذاعي متعاون.
2 - يعلق الناشر على هذا المعنى في الهامش بنقل كلام ابن عطاء الله السكندري في حكمه:
( الزهاد إذا مدحوا انقبضوا لشهودهم الثناء من الخلق، والعارفون إذا مدحوا انبسطوا لشهودهم ذلك من الملك الحق ).
وأنا أنقل هذا الكلام بتحفظ شديد لأنّ لي فيه رأيا يخالف الناشر الفاضل. وأمسك عنه الآن لأنّ المقام لا يناسب ذكره. ( عبد الله لالي ).
تكملة الموضوع

عائلة ابن عزوز الإدريسية

إنها عائلة دينية صوفية عريقة من سلالة النبيّ صلى الله عليه و اله و سلم. أصلها من مكة المكرمة من قبيلة آل عزوز
و هذا فخر لها لا يدعو إلى تكبر ، لأنّ الله سبحانه و تعالى في محكم كتابه يقول: خلق الإنسان من صلصال كالفخار. وقوله سبحانه و تعالى : " إن أكرمكم عند الله أتقاكم " . و قال صلى الله عليه و اله و سلم كلكم من آدم و آدم من تراب. و كذالك قوله صلى الله عليه و اله و سلم " ان الناس سواسيه متساوون كاسنان المشط ".
لعلّ هناك الكثير من الناس لا يعلمون ان لهذه العائلة تاريخاً عريقاً ليس في الفكر والأدب والدعوة والفقه فحسب بل في مقاومة الإحتلال الفرنسي و كانت حركة الطريقة الرحمانية العزوزية من أكبر حركات المقاومة الجزائرية التي هددت المشروع الاستعماري الفرنسي في الجزائر و تونس
لقد وفقهم الله في نشر الوعظ و الإرشاد ونشر الحرف العربي عبر التراب الجزائري و التونسي ، فلم يشهروا سيفا ولم يجادلوا بالباطل ، بل تسلحوا بعرى الأيمان وقدموا علما يسمى بالتصوف فصدقوا مع الله ربهم فسخر الله لهم قلوب العباد بالصبر واليقين
كانت العزة لدعاة الإسلام من عائلة بن عزوز وعلى رأسهم الشيخ محمدبن عزوز من البرج و الشيخ مصطفى مؤسس زاوية نفطة بتونس و كانت هذه الزاوية قبلة المجاهدين و المناظلين
إلا أن كثيرًا من الطرق قد انحرفت بعد وفاة مشائخها عن الخط العام الذي رسمه مؤسسوها الأوائل
العلامة محمد المكي بن عزوز
كان الشيخ التونسي محمد المكي بن عزوز "رحمه الله" - الذي يقول عنه الكتاني في فهرس الفهارس 3/856 : " كان مُسند أفريقية ونادرتها ، لم نر ولم نسمع فيها بأكثر اعتناء منه بالرواية والإسناد والإتقان والمعرفة ومزيد تبحر في بقية العلوم
هو الإمام العلاّمة المحدث المقري الفلكي الفرضي الصوفي المسند الشهير الشيخ أبو عبد الله سيدي محمد المكي بن ولي الله سيدي مصطفى بن العارف الكبير أبي عبد الله محمد بن عزوز البرجي النفطي مولداً التونسي تعلماً القسطنطيني هجرة ومدفناً، ولد في حدود سنة 1270، وسماه بالمكي عمه الشيخ محمد المدني بن عزوز وكنّاه بأبي طالب تيمناً بأبي طالب المكي صاحب القوت (2) وقرأ بتونس وتصدر للتدريس بها، وولي الإفتاء ببلد سكناه نفطة عام 1297 وهو ابن 26 سنة ثم قضاءها، ثم انتقل إلى السكنى بتونس سنة 1309، وفي سنة 13 انقل إلى الآستانة فبقي بها إلى أن مات بها على وظيفة معلم الحديث الشريف بدار الفنون ومدرسة الواعظين.
هذا الرجل كان مسند أفريقية ونادرتها، لم نر ولم نسمع فيها بأكثر اعتناءاً منه بالرواية والإسناد والإتقان والمعرفة ومزيد تبحر في بقية العلوم والاطلاع على الخبايا والغرائب من الفنون والكتب والرحلة الواسعة وكثرة الشيوخ، إلى طيب منبت وكريم أرومة وكان كثير التهافت على جمع الفهارس وتملكها حتى حدثني بزاوية الهامل الشمس محمد بن عبد الرحمن الديسي الجزائري الضرير عنه أنه اشترى ثبتَ السقّاط وهو في نحو الكراسين بأربعين ريالاً، وهذا بذلٌ عجيبٌ بالنسبة لحاله، وأعجب ما كان فيه الهيام بالأثر والدعاء إلى السنّة مع كونه كان شيخ طريقة ومن المطالعين على الأفكار العصرية، وهذه نادرة النوادر في زماننا هذا الذي كثر فيه الإفراط والتفريط، وقلَّ من يسلك فيه طريقَ الوسط والأخذ من كل شيء بأحسنه، عاملاً على قوله تعالى (وأمر قومك يأخذوا بأحسنها) وكانت وفاته رحمه الله
__________
(1) انظر بروكلمان، التكملة 888:2 وإيضاح المكنون 60:1 والزركلي 330:7 (وفيه اعتماد على فهرس الفهارس).
(2) يعني كتاب " قوت القلوب " .
بالقسطنطينية العظمى سنة 1334، ورثاه جماعة من أدباء القطرين الجزائر وتونس بيدي بعضها.
حلاه شيخ الإسلام بمكة الشهاب دحلان في إجازته له بقوله: " قد اشتهر في الأقطار بلا شكّ ولا مين، ولا سيما في الحرمين الشريفين، بالعلم والحلم نخبة العلماء الأعيان، وخلاصة الأعيان من ذوي العرفان، سراج أفريقية، بل بدر تلك الأصقاع الغربية، الأستاذ الكامل، جامع ما تفرق من الفضائل والفواضل " الخ. وهذه الحلاة نادرة من مثل الشيخ دحلان، يعلم ذلك من تتبع حلاه في إجازته لأهل المشرق والمغرب وهي كثيرة.
وقال فيه عالم الطائف العلاّمة عبد الحفيظ القاري أثناء سؤال قدمه له:
من نرتجي للدينِ يكشفُ غُمّةً ... عمّتْ على الإسلام بالإغماءِ
غير ابن عزّوز إماماً للهدى ... بالحقّ يُفتي لا بأخذ رشاء
من مغربٍ في مشرقٍ يبدي السنا ... في المطلعين له ضياً كذُكاء
إن كان فينا قائمٌ فهو الذي ... بالعلم يرقى ذروة الجوزاء.
شيوخ المترجم يقرب عددهم من الثمانين، وهذه أسماء مجيزيه، منهم: 1 مجيزنا مسند الجزائر أبو الحسن علي بن أحمد بن موسى وأخذ عنه أيضاً 2 السيد شيخ بن محمد بن حسين الحبشي الحضرمي، 3 شيخ الإسلام حميدة بن الخوجة التونسي، 4 العمعمر يونس وهبي أفندي قاضي العسكر التركي بالآستانة، 5 مجيزنا المعمر محمد فرهاد المدرس بها أيضاً، 6 محمد بن دلال اليمني الصنعاني، 7 المعمر أحمد أمين النويني الحسيني الشرواني، 8 أحمد دحلان، واستجازه أيضاً مكاتبة عام 1301، 9 بكري بن حامد العطار الدمشقي مكاتبة .

كان "رحمه الله" في بداية شبابه - أيام عيشه بتونس زمن الدولة العثمانية ، , وقد ألف - حينها - عدة كتب ، منها كتابه " السيف الرباني في عنق المعترض على الغوث الجيلاني " يرد فيه على من أنكر كرامات الشيخ الشهير عبد القادر الجيلاني وما نُسب إليه من خرافات ـ هو بريء م
نها بإذن الله.
تكملة الموضوع

.
مدونة برج بن عزوز © 2010 | تصميم و تطوير | صلاح |