من الأدعية المأثورة عن سيدي محمد بن عزوز البرجي رضي الله عنه:   اللهم ارحمني إذا وَاراني التُراب، ووادعنا الأحباب، وفَارقنا النَّعيم، وانقطع النَّسيم، اللهم ارحمني إذا نُسي اسمي وبُلي جسمي واندرس قبري وانقطع ذِكري ولم يَذكرني ذَاكر ولم يَزرني زَائر، اللهم ارحمني يوم تُبلى السرائر وتُبدى الضمائر وتُنصب الموازين وتُنشر الدواوين، اللهم ارحمني إذا انفرد الفريقان فريق في الجنة وفريق في السعير، فاجعلني يا رب من أهل الجنة ولا تجعلني من أهل السعير، اللهم لا تجعل عيشي كدا ولا دُعائي ردا ولا تجعلني لغيرك عبدا إني لا أقول لك ضدا ولا شريكا وندا، اللهم اجعلني من أعظم عبادك عندك حظا ونصيبا من كل خير تقسمه في هذا اليوم وفيما بعده من نور تهدي به أو رحمة تنشرها أو رزق تبسطه أو ضر تكشفه أو فتنة تصرفها أو معافاة تمن بها، برحمتك إنك على كل شي قدير، أصبحنا وأصبح كل شيء والملك لله، والحمد لله، ولا اله الا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت، وهو على كل شيء قدير

ترجمة سيدي أمحمد بن عودة قاهر ألإسبان


زاوية سيدي محمد بن عودة


سيدي أمحمد بن عودة الذي قهرا ألإسبان في تنس و مزغران


اسمه و نسبه

اسمه الكامل هو أمحمد بن يحي بن عبد العزيز و يكنى بسيدي امحمد بن عودة، نسبة إلى مربيته عودة بنت سيدي امحمد بن علي المجاجي المعروف بابن آبهلول (بلدة سيدي امحمد بن علي حاليا بولاية غليزان)، صاحب زاوية مجاجة (قرب بلدة تنس حاليا ولاية شلف)التي كانت مركزا للمجاهدين في سبيل الله

أما نسبه الشريف فهو حسب المشجّرة المنقولة من ضريحه،

« سيدي امحمد بن يحي بن عبد العزيز بن سيدي علي بن يحي بن راشد بن فرقان بن حسين بن سليمان بن أبي بكر بن مومن بن محمد بن عبد القوي بن عبد الرحمن بن إدريس بن إسماعيل بن موسى الكاظم بن جعفر الصّادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين السبط بن علي كرّم الله وجهه و بن فاطمة الزهراء بنت محمد رسول الله صلى الله عليه و سلّم»

لاحظ الاختلاف الموجود مع المشجرات الأخرى في سقوط اسم موسى أبو إدريس و ابن إسماعيل بن موسى الكاظم (المشجر على ما يبدو منقول حفظا)



بوابة الزاوية

مولده و نشأته

ولد سيدي أمحمد بن عودة في شهر رجب عام 972 هـ بنواحي وادي مينا (بلدة سيدي أمحمد بن عودة حاليا ولاية غليزان) حيث تربى و ترعرع في حضن والده سيدي يحي الأصغر و تعلم القراءة و الكتابة على يديه، و عندما شب سيدي امحمد دفع به والده إلى زاوية مجاجة فتتلمذ علي يدي الشيخ سيدي أمحمد بن علي المجّاجي و أخذ عنه التفسير، الحديث، الأصول و المنطق و البيان كما أخذ عنه في الفقه و التوحيد و غيرها إلى غاية استشهاد شيخه سنة 1008 هـ و ما لبث أن غادر الزاوية باتجاه مسقط رأسه ثم انتقل إلى الصحراء الجزائرية، فأخذ عن الشيخ سيدي عبد القادر بن محمد الملقّب بسيدي الشيخ و غيره من العلماء

و قد كان من نتيجة السفر و التنقل بين الزوايا هو تضلع سيدي أمحمد في شتى العلوم من حديث و تفسير و فقه و غيرها كما أضفى على هذا التضّلع طابع الزهد و سلوك المتصوفين،

و قد شهد أحد تلاميذه على ذلك

« سمعت منه من المعرفة بالله تعالى و كذا سمعت منه من المعرفة بأنبياء الله و رسله الكرام عليهم افضل الصّلاة و أزكى السّلام فتحسب به أنّه كان مع كلّ نبيّ في زمانه و من أهل عصره و أوانه، و كذا سمعت منه بالمعرفة من الملائكة الكرام و اختلاف أجناسهم و تفاوت مراتبهم ما كنت أحسب أن البشر لا يبلغون إلى علم ذلك، و لا يتخطون إلى ما هناك و كذا سمعت منه من المعرفة بالكتب السماوية و الشّرائع النبوية سالفة الأعصار المتقدّمة على مرور اللّيالي و النّهار، و تحققت به أنّه سيّد العارفين و أولياء أهل زمانه أجمعين، و كذا سمعت أنّه بمعرفة اليوم الآخر و جميع ما منه من الحشر و النّشر و الصّراط و الميزان و النّعيم، و غير ذلك ما تعرفه إذا سمعته يتكلّم في شهود المعرفة و عرفان اليقين، فأيقنت حينئذ بولايته العظمى...»



مقامه الشريف

اشتغاله بالتّدريس

بعد أن ارتوى سيدي أمحمد بن عودة من المعارف المختلفة عاد إلى مسقط رأسه حيث أسس زاويته التّي أصبحت مركز إشعاع ديني و إصلاح اجتماعي، و جهاد ضد الأعداء، ومأوى لإطعام الفقراء و عابري السّبيل و تتكون من خيمتين

أكسبته هذه الزاوية شهرة كبيرة، فكان له أتباع كثيرون يحترمونه و يقدّرونه حتّى اصبح يلقّب بمهدي زمانه لزهده الشّديد فقد كان من عادته مكابدة الّيل بالقيام و النّهار بالصّيام و لم في الدنيا زوجة و لا ولدا قط

و بلغ من زهده في الدنيا أن حفر مخبأ تحت الأرض، كان يخلو للعبادة فيه و لا يزال هذا المخبأ ليومنا هذا و يسمّى « العبادة »

جهاده و وفاته

اشتهر سيدي امحمد بن عودة بطولته في مكافحة الإحتلال الإسباني في شواطىء تنس، مزغران، و المرسى الكبير بوهران

فمنذ كان تلميذا ساهم بإطعام المجاهدين بثغر تنس، كما رفع لواء الجهاد لرفع الحصار عن مدينة مستغانم التي حاصرها الرّوم

و كانت له نوبة للحراسة و الرّباط على ساحل البحر بوهران لحراسة المدينة من الإسبان. و قاد سيدي امحمد عدة معارك ضد الإسبان و ذلك ما بين سنة 1517 و 1580 م

توفي سيدي أمجمد بن عودة بمرض عضال عام 1034 هـ

تخليدا لهذا الولي الصالح أمر الباي التركي محمد الكبير بناء مشهد على ضريحه و أوصى بحرمته و عدم التعرّض لمن لجأ إليه بحال من الأحوال. و قد عفا الباي عن كثير من خصومه الذين فرّوا إلى هذا الضريح

و قد أقام أتباعه بعد ذلك حفلا كبيرا استمّر إلى يومنا هذا و يسمّى وعدة سيدي أمحمد بن عودة في الأسبوع الأخير من سبتمبر

رحمه الله و ألحقنا به مؤمنين غانمين
تكملة الموضوع

التصوف في الجزائر بقلم: عبد المنعم القاسمي الحسني ج2




عن التصوف والصوفية في الجزائر 2/2
مقاربة موضوعية (2/2)

بقلم: عبد المنعم القاسمي الحسني

دور التصوف بشكل عام:

احتل التصوف والصوفية مكانة هامة في حياة المجتمع الجزائري، منذ البداية إلى يوم الناس هذا، وذلك راجع في تصوري إلى الدور الكبير الذي قام به التصوف في حياة المجتمع الجزائري،
وإذا أردنا معرفة وحصر الأدوار التي قام بها الصوفية في الجزائر فسنجدها كثيرة متعددة:


ـ الدفاع عن الدين والوطن: وهو من أهم الأدوار التي قام بها، وذلك في ظل ظروف سياسية هامة أدى فيها التصوف دور البديل والمنقذ والملجأ لمختلف طبقات الشعب التي لم تجد بغيتها وضالتها إلا في الطرق الصوفية وزواياها المنتشرة في كل مكان، ومن أهم الأحداث السياسية التي يمكن لنا رصدها:


ـ استمرار تدهور السلطة المركزية:


خلفات انهيار الدولة الموحدية، وهي تلك الدولة التي استطاعت أن تقف عالية الرأس ـ وذلك بفضل قوة أسطولها ـ أمام مطامع الأوربيين، ولكن بعد سقوطها وتفكك السلطة بعد ظهور الدويلات، فتغيرت جذريا الوضعية.


ـ اشتداد الأخطار الخارجية، الحملات الصليبية الإسبانية والبرتغالية التي عرفتها سواحل الجزائر طيلة القرون 15 و16. وهي المعادلة الصعبة التي وجد الصوفية أنفسهم ضمنها فحاولوا أن يقفوا موقف الوسط للدفاع، والحفاظ على مصالح الأمة.
ففي حالة ضعف السلطة الحاكمة أو انهيارها وغيابها، قاد الصوفية جموع الشعب إلى الدفاع عن الدين والوطن من الخطر الخارجي، وكما نعلم فإن من أسباب انتشار الربط والزوايا على طول السواحل الجزائرية، هو مقاومة الغزو الصليبي المستمر، ومن الأدلة على هذا الدور رسالة الشيخ عبد الرحمن الثعالبي في الدعوة إلى الجهاد، كما أن زاويته كانت مقرا للاجتماعات والاستعداد لمواجهة العدو، وظل ذلك دأب الجزائريين إلى غاية القرن 19.
وكذا زاوية الشيخ التازي بوهران التي كانت تمثل قاعدة خلفية مليئة بمختلف أنواع الأسلحة، استعملها المجاهدون في صد عدوان الصليبيين. ومحاولة الولي الصالح الحسن أبركان رد حملة السلطان الحفصي أبي فارس عبد العزيز على تلمسان سنة 827هـ.
وبعد سقوط الدولة بعد الاحتلال، كانت الطرق الصوفية هي التي تولت المبادرة، على الرغم ما يقال هنا وهناك، من أن مقاومة الأمير لم تكن صادرة عن طريقة، فانا لم نجد تفسيرا لالتفاف الجموع والقبائل حول شخص الشيخ محي الدين، الذي كان يمثل طريقة عرفت بتغلغلها في الأوساط الشعبية، ونحن نعلم أن تأثير الشيخ محي الدين لم يكن مصدره جاه أو سلطة أو مال، فلم يكن يمثل أي منها، ولم يكن رمزا إلا للطريقة القادرية التي تشرف بخدمتها، وبخدمة زاوية جده الشيخ مصطفى لمدة سنوات، وعرف بتصوفه وزهده، وعلمه وحلمه.
وتستوقفنا أيضا مقاومة الزعاطشة بالزيبان التي استغرقت من سبتمبر إلى نوفمبر من سنة 1849، حيث صمد رجال هذه القبيلة بكل شجاعة وعز، وزعيمهم الشيخ عبد الحفيظ الخنقي، وهو أحد الشخصيات التابعة للطريقة الرحمانية، كما نلاحظ الوجود الديناميكي والمستمر لرجال الطرقية في مختلف الثورات، أولاد سيدي الشيخ، ثورة 1871 الرحمانية ببلاد القبائل، ثورة الشيخ بوعمامه 1881.. حتى أن السيد أوكتاف ديبون ـ المفتش العام للبلديات الممتزجة بالجزائر ومن مؤلفي كتاب الطرق الدينية في الجزائر 1897 ـ يؤكد في تقرير بعث به إلى لجنة مجلس الشيوخ المكلفة بالجيش والتي كان يرأسها "كليمانصو": " إننا سلفا نجد يدا مرابطية وراء كل هذه الثورات التي يقوم بها الأهالي ضدنا". ويقول المؤرخ الفرنسي مارسيل إيميري: " إن معظم الثورات التي وقعت خلال القرن التاسع عشر في الجزائر كانت قد أعدت ونظمت ونفذت بوحي من الطرق الصوفية، فالأمير عبد القادر كان رئيسا لواحدة منها وهي الجمعية القادرية، ومن بين الجمعيات المشهورة التي أدت دورا أساسيا في هذه الثورات: الرحمانية السنوسية الدرقاوية الطيبية".


يذكر حمدان خوجة في كتابه المرآة أن شيوخ الطرق الصوفية هم الذين أمروا جميع المواطنين الجزائريين بالتعبئة العامة والدفاع عن مدينة الجزائر العاصمة بعد تخلي الأتراك عن هذه المهمة.
ويذكر حمدان خوجة في كتابه المرآة أن شيوخ الطرق الصوفية هم الذين أمروا جميع المواطنين الجزائريين بالتعبئة العامة والدفاع عن مدينة الجزائر العاصمة بعد تخلي الأتراك عن هذه المهمة.


ـ كشف الضابط دي نوفو في كتابه الإخوان الصادر سنة 1845 عن الدور الرئيس الذي أدته الطرق الصوفية في مقاومة الاحتلال، وتحدث النقيب ريتشارد عن ثورة الظهرة التي قامت سنة 1845 مبرزا الدور المهم الذي قامت به الطرق الصوفية في هذه الثورة.
ـ ومن تقرير للمفتشية العامة حرر بالجزائر سنة 1864 يعترف بالدور الخطير الذي تقوم به الطريقة الدرقاوية: " الدرقاوية كانوا معادين لنا كل العداء لأن غايتهم كانت سياسية بوجه خاص، أرادوا ان يشيدوا من جديد صرح امبراطورية إسلامية ويطردوننا، إن هذه الطريقة منتشرة جدا في الجنوب ومن الصعب جدا مراقبتهم، لقد كانت ندوات الإخوان سرية وكانت أغلبية رؤسائهم معروفة".
أصبحت الزوايا مع مرور الزمن والتحاق العديد من أبناء الشعب بها، مراكز إشعاع ونشاط فكري عظيمين، بل أحيانا الملجأ الوحيد للتعليم، وتبادل الأفكار والنقاش، وكذلك الإنتاج.


ـ تعليم وإرشاد، وتوجيه:


وأصبحت الزوايا مع مرور الزمن والتحاق العديد من أبناء الشعب بها، مراكز إشعاع ونشاط فكري عظيمين، بل أحيانا الملجأ الوحيد للتعليم، وتبادل الأفكار والنقاش، وكذلك الإنتاج.


ـ دور اقتصادي:


أصبحت الزوايا تشرف بصفة مباشرة على الاقتصاد المحلي والإقليمي، بل على بعض الحركات التجارية الحساسة، وقد تجسد ذلك كله بواسطة امتلاك الأراضي، وجمع التبرعات التي تصل من المريدين، وكذا الزكاة التي كانت تمثل مصدرا هاما للمال بالنسبة لهذه المؤسسات الدينية.

الدور الاجتماعي للتصوف في الجزائر:

يقول أحد الباحثين المعاصرين متحدثا عن الدور الهام الذي أدته الصوفية في المجتمعات التي وجدت بها: "ونولي وجهتنا نحو بؤرة المجتمع وتفاعلاته اليومية نلتقي بالفعل بالدور الكبير الذي لعبته التنظيمات الصوفية كوثبة من ((الوثبات الحيوية)) التي تعبر عن حركات المجتمع وتطوره ((الذاتي))".


ونظرا للخدمات الجليلة التي قدمها أهل التصوف للمجتمع الجزائري، أصبحت العامة تعتمد اعتمادا كليا عليهم لمواجهة الأزمات الاجتماعية والاقتصادية التي كانت تحل بها من حين لآخر، وهذا نظرا لعجز الدولة أو السلطة على التكفل بحل مشاكل الناس، ومع مرور الزمن ترسخت قناعة لدى العامة أن الصوفية هم أقدر الناس على حل المشاكل وتقديم المساعدات للطبقات المحرومة، يقول الدكتور الجيلالي صاري:"...تدريجيا وبانتظام احتلت الطرقية مكانة بارزة في الحياة اليومية، بل أصبحت في أماكن عدة وفي مناطق كثيرة المرجع الأول والأخير للجماهير"( ).


لقد كانت غاية الطريق الصوفي هي" غاية خلقية تتمثل في إنكار الذات والصدق في القول والعمل والصبر والخشوع ومحبة الغير والتوكل وغير ذلك من الفضائل التي دعا إليها الإسلام"...


لقد كانت الزوايا منذ تأسيسها مركزا لوحدة القبيلة، ملجأ للفقراء والمساكين ومحطة لعابري السبيل ومأوى لليتامى، كما أنها كانت قبلة للمتخاصمين من أجل فض نزاعاتهم، ومركز إشعاع يحافظ على تقاليد المجتمع وعاداته وأصالته في مواجهة السياسة الاستعمارية الرامية إلى طمس معالم المجتمع الجزائري العربي المسلم.


وسنتناول هذه الوظائف بالشرح والتحليل:


أولا: مركزا لوحدة القبيلة:


يرى كثير من الباحثين أن الزاوية في الريف قد قامت بدور عظيم من الناحية الاجتماعية فقد ساهمت "في فض النزاعات والخصومات على الأرض والتحكيم بين المتنازعين في القبيلة والتدخل لدى السلطة الحاكمة لرفع مظلمة ودفع مغرم على فرد أو جماعة ". الزاوية كانت مركز الوحدة القبيلة، والتوحيد بين القبائل الأخرى وفك الخصومات والنزاعات بينها، وخبط النظام العام.
وأصبحت الزاوية مع مرور الزمن معلما يلتف حوله رجال القرية وتدور عليه حياتهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ورمزا اكتسب قوته من قوة شخصية الشيخ والتفاف أفراد قبيلته حوله. ووجدوا فيه واجهة ومظهرا يعبر عن تشوفهم لمركز الريادة والقيادة في المنطقة..


ثانيا: فك الخصومات:


من الأدوار الأساسية التي أدتها الزوايا منذ نشأتها: فك الخصومات والنزاعات بين القبائل، وإصلاح ذات البين والتوحيد بينها. فكثيرا ما تحدث الخصومات بسبب الاختلاف على الماء أو الأرض أو ثأر بين القبائل المتنازعة، فلا تجد لها حلا إلا اللجوء إلا شيوخ الطرق والصوفية لفض النزاع، وهو موقف نابع من حاجة الريفي أو البدوي لتقديره لرجال الدين أو الأشراف، خصوصا إذا اشتهروا بالصلاح والتقى وهي ظاهرة لمسناها مع انهيار الدول الثلاث في المغرب العربي، وسيادة الفوضى والاضطراب في الحكم، وحتى بعد دخول العثمانيين وجدنا هذه الظاهرة بل ازدادت انتشارا وتوسعا.


ولقد سعت السلطات الفرنسية إلى استبدال القوانين الإسلامية في المجال القضائي، بالقوانين الفرنسية، ففي 18 فيفري 1841، صدر أمر من السلطات يتضمن التنظيم القضائي في الجزائر، انتزعوا بموجبه من القضاة المسلمين البت في الأمور الجزائية، وأصبح القضاء الإسلامي مقتصر على الأحوال الشخصية، وحتى هذه الأخيرة حاولت السلطات الفرنسية إخضاعها للقوانين الفرنسية وإلغاء الاحتكام للشريعة الإسلامية من خلال قانون " سناتور كونسيلت".


أمام هذا الوضع وفي ظل هذه الظروف أصبحت الزوايا ملجأ للسكان من أجل فك نزاعاتهم وحل خصوماتهم، سواء كانت بين الأفراد أو بين القبائل والأعراش، حيث يذكر أن قضايا الأحوال الشخصية أو قضايا الجنايات والخلافات على الأراضي، كان يفصل فيها بالزاوية، ويحتكم فيها إلى شيخ الزاوية، وأصبحت الزاوية المرجع الأعلى في القضايا والمحكمة العليا بالنسبة للأفراد والقبائل في تلك الفترة، وهو الأمر الذي لفت انتباه الكاتب الفرنسي Lehraux Leon، خلال زيارته إلى الجزائر حيث يقول: " تعتبر الزاوية مقرّا للقضاء، فهي تختصّ بالفصل في القضايا المدنيّة والجنائيّة، حيث كانت تحلّ من قبل الشيخ بحكم مكانته العلميّة والاجتماعيّة وما هو مشهود عنه من عدل وحكمة وعلم، ويكون فصله إمّا بالصلح والتراضي، أو بالتعويض، أو الفدية، فالقضايا المدنيّة متمحورة في النزاعات حول الأراضي، والمباني أو الميراث، والقضايا الجنائيّة تتمثّل في جرائم القتل وتدخّل الأعراش للثأر. كما تعتبر الزاوية مقرا لعقد القران، والتعاقد بين الأفراد".


ثالثا: الشفاعات:


فقد كان شيخ الزاوية يسعى لقضاء حوائج الناس لدى السلطة ويستغل مكانته في هذا الباب، وكثيرا ما تجاب رغباته وطلباته من طرف السلطات حفاظا على شعرة معاوية، ولحاجتها للنظام والهدوء لكي لا تثير الشعب عليها، فوجب أن يكون هناك واسطة بينها وبين الأهالي.
فقد كان يقوم بدور حيوي في المجتمع الذي فتكت به الأزمات، ونستطيع أن نطبق عليه دور الصوفي:" الذي يحاول حل الأزمة وتعويض المأزومين بمعوضات مادية وروحية تحقيقا لتوازن مجتمعه".


استطاع الصوفية التوفيق بين المحافظة على النقاء الروحي والخلقي والسيطرة على المجتمع ككل، ونحن نعلم مدى صعوبة هذا الأمر واستحالة تحقيقه في الغالب. إذ غالبا ما نضحي إما بالنقاء الروحي والخلقي إما بالسيطرة على المجتمع، ويندر أن الأمران لنفس الشخص وفي نفس الفترة والمكان طبعا.


استطاع الصوفية التوفيق بين المحافظة على النقاء الروحي والخلقي والسيطرة على المجتمع ككل، ونحن نعلم مدى صعوبة هذا الأمر واستحالة تحقيقه في الغالب. إذ غالبا ما نضحي إما بالنقاء الروحي والخلقي إما بالسيطرة على المجتمع، ويندر أن الأمران لنفس الشخص وفي نفس الفترة والمكان طبعا.


نجحوا في التأثير على مجتمعاتهم، والحفاظ على سلوكهم الإنساني المحدد ضمن المبادئ الشرعية الإسلامية.


رابعا: كفالة اليتامى والأرامل:


من الآثار السلبية للاحتلال الفرنسي كثرة الأرامل والأيتام، وذلك بسبب انتشار المجاعات من حين لآخر، وكثرة الأمراض التي كانت تصيب أفراد المجتمع الجزائري، وعدم توقف الثورات الشعبية طيلة القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، وكثرة الأمراض الفتاكة، نظرا لانعدام الرعاية الصحية، وتدهور الظروف المعيشية للمواطنين.
وقد أولت الزوايا اهتماما كبيرا بالأيتام من خلال إيوائهم والتكفل بهم وبحاجياتهم، ولم تكن الزاوية تكتفي بتوفير المأوى والمأكل لليتامى فقط، بل كانت تهتم بتربيتهم وتعليمهم وتسمح لهم بتولي المناصب العليا الخاصة بتسيير الزاوية حيث يذكر أم أفرادا من أسرة المقراني قد عينوا كمقاديم في الزاوية.


وقد عبر أحدهم عن كل هذا بقوله: "ترى بالقرب من الزاوية جمعا من كل الأعمار، أطفال بؤساء عراة، أمهات تظهر عليهم مظاهر الفقر، وشيوخ جالسين على تل صغير، هذا هو الجو العائلي بالنسبة للأسر التي تطلب الصدقة في هذا المكان الكريم".


خامسا: المساعدة في أوقات الشدة:


ففي خلال أعوام 1865 ـ 1868م، تواصل القحط والجفاف، مما أدى إلى انعدام المواد الغذائية، والحبوب للناس، وانعدام العلف للحيوانات، وهنا تدخلت الزوايا فآوت الكثير من العائلات المتضررة من هذا الجفاف.
وقد بلغ الذروة سنة 1869 حيث حصلت المجاعة الكبرى التي لم تعرف لها البلاد مثيلا على مدى التاريخ، فمات من جرائها الآلاف، ولم تفعل السلطات الفرنسية شيئا، مما اضطر السكان إلى للجوء إلى الزوايا والمساجد، وكثير من سكان الهضاب العليا هاجر نحو مدن الشمال، ومنعهم الأوربيون من كسب قوتهم، ووضعوهم في محتشدات عامة: مليانة، الأصنام، غليزان. وهنا تدخلت الصوفية وأنقذت الكثير ممن كانوا على وشك الهلاك، وقد شاركت معظم الزوايا في هذه العملية.


سادسا: الحفاظ على عادات المجتمع:


ساهمت الزوايا من خلال مختلف الأنشطة في الحفاظ على عادات وتقاليد المجتمع الجزائري فقد امتاز المجتمع الجزائري بشدة تماسكه وتآزره، خاصة في مواجهة الأزمات...


ـ التويزة: تعاون كافة أفراد المجتمع في القيام بأعمال ذات منفعة وتعاونوا على البر والتقوى، ولا تعاونواعامة، دون مقابل، تطبيقا لقوله تعالى: منها: ترميم وإعادة بناء السدود، وكان يتم الإعلان عن موعدعلى الإثم والعدوان إقامة التويزة بمسجد الزاوية عقب الصلوات الخمس، ويجدر الإشارة هنا إلى أن الزاوية نفسها بنيت واستكملت أغلب مرافقها بواسطة أعمال التويزة. رسالة الشيخ المؤسس في جواز الإفطار في رمضان للأعمال التويزة.
ـ الاحتفالات الدينية: لإحياء المناسبات والأعياد الدينية، المولد النبوي الشريف، ليلة القدر، ختم البخاري، ختم المختصر الخليلي.
ـ الاحتفالات الخاصة بموسم الحج: وقد كانت الزاوية تسهر على توفير المال لبعض الحجاج، وقد كلفت الشيخ عبد العزيز الفاطمي، بمرافقة الحجاج من الهامل إلى البقاع المقدسة، وقد كان الحج يتطلب أموالا باهظة، وتكاليف مرتفعة، وينطلق ركب الحجاج من الزاوية بعد توديعهم للشيخ الذين يطلبون منه الدعاء لهم وتيسير حجهم، وعند عودتهم أول مكان ينزلون به هو مقر الزاوية، حيث يسلمون على الشيخ ويتبركون به، ثم ينطلقون إلى أهاليهم. وهي عادة لا تزال موجودة إلى يومنا هذا بحمد الله.


ـ من تقرير سلطات الاحتلال: " في مختلف المناسبات والأعياد الدينية، تأتي أيضا أعداد كبيرة من الزوار والمريدين، من بعيد، لحضور الاحتفالات بعيد الفطر، عيد الأضحى، عاشوراء، والمولد النبوي والذي تميز عن غيره من المناسبات، توزع فيه الصدقات والأموال على الفقراء."


وتكون هذه الزيارات السنوية في فصلي الخريف والربيع. تماشيا مع عادات الطريقة الصوفية.


ويتضح لنا من خلال هذا العرض أن التصوف ورجاله قد أدوا ما عليهم من واجب تجاه دينهم ووطنهم ومجتمعهم الذي عاشوا فيه وتفاعلوا معه، مع قضاياه، مشاكله، اهتماماته، بل كانوا يمثلون صوت الشعب وضميره الحي في جل الفترات والعهود المتعاقبة، فقد نادى المتصوفة بالحرية عاليا، نادوا بالثورة على الأوضاع، نادوا بالتغيير، مارسوا حق تغيير المنكر الذي منحتهم إياه الشريعة الإسلامية.
لو لم يقوموا بواجبهم تجاه المجتمع على أكمل وجه، لما وجدنا الناس تقبل عليهم زرافات ووحدانا، في حياتهم وحتى بعد انتقالهم إلى الدار الآخرة، ممثلا ذلك في زيارة الأضرحة، وهي العادة التي درج عليها المجتمع الجزائري منذ مئات السنين.
خدموا الدين والأمة بالرغم من الحصار والمضايقة والتهديد والتشريد والسجن والمتابعة، حياتهم كلها جهاد ونضال واستبسال في سبيل الدفاع عن القيم والمبادئ والدين والوطن.

النتائج:


- التخفيف من معاناة الشعب الجزائري، وذلك من خلال التكفل بالفقراء والمساكين واليتامى والأرامل.
ـ الحفاظ على تماسك المجتمع الجزائري ووحدته، حيث كانت تجتمع بالزاويا مختلف الأعراش والقبائل، من مناطق مختلفة، فتنمحي بذلك الفوارق الجهوية.
ـ تمكنت من قطع الطريق على كافة الجمعيات التبشيرية والتي كانت تتخذ من النشاط الاجتماعي وسيلة لتحقيق مآربها التنصيرية، خاصة اتجاه اليتامى من أبناء هذا الشعب.
ـ لقد عملت الزوايا من خلال نشاطها على تنظيم العلاقات بين مختلف شرائح المجتمع وتدعيم عملية التكافل بينها، وقد كانت تستقبل الأموال من الأغنياء وتصرفها على الفقراء.
ـ تمكنت من انتشال العديد من اليتامى والمشردين وتكفلت بهم وكونت منهم علماء صالحين، ساهموا بفعالية في خدمة مجتمعهم.
ـ مثلت الزوايا قلاعا حصينة في وجه المشاريع الاندماجية التي سعى الاستعمار الفرنسي إلى تطبيقها بأرض الجزائر المجاهدة.

المصدر: موقع الشهاب للاعلام
تكملة الموضوع

الشيخ محمد بنعزوز القاسمي الحسني: 1324/ 1404هـ

صورة قديمة لزاوية الهامل "بوسعادة"
ولد سنة 1324هـ= 1906م ببلدة الهامل. والده هو الشيخ الحاج المختار بن الحاج محمد الشريف الهاملي، المشهور بالعلم والصلاح، والذي تولى مشيخة زاوية الهامل بعد وفاة أخيه الشيخ سيدي محمد سنة 1331هـ= 1913 وتوفي 1914 فترك ابنه صغيرا.
أمه الولية الصالحة كريمة بيت العلم والصلاح: السيدة فاطمة بنت الشيخ سيدي أبو القاسم الديسي المعروف بـ"ابن عروس"، وهو والد الشيخ أبو القاسم الحفناوي.
نشأ المترجم له على حب طلب العلم والحرص عليه، فحفظ القرآن وهو لم يتجاوز العاشرة من عمره، وبعد وفاة والده تولى تعليمه شيخ الجماعة بالزاوية الشيخ العلاَّمة سيدي محمد بن عبد الرحمن الديسي، صاحب التآليف الجليلة والمؤلفات المفيدة، فأخذ عنه متن الأجرومية وكان أول ما سمعه منه، ومتن الأزهرية ومتن القطر ومتن الألفية ثم متن الجوهرة، وهذا كله بالمسجد القاسمي، وتولى تدريسه ببيته لما لمس فيه من العناية التامة بالعلم والمعرفة، وحب الإطلاع والاستزادة، فأخذ عنه تفسير القرآن للطبري وتفسير الجلالين، ومن كتب الحديث جامع الصغير للسيوطي والشمائل للترمذي، وفي السيرة كتاب ابن هشام، وكما أخذ عنه كتاب الصلاة من مختصر خليل وعلم القراءات.
كما تتلمذ على الشيخين سيدي أبو القاسم القاسمي وسيدي أحمد القاسمي، فيقول عنهما: "وفي فصل الشتاء من كل عام أسمع من الشيخين أبو القاسم وأحمد قه مالك ".
ومن الذين أخذ عنهم شقيقه الشيخ سيدي محمد المكي القاسمي، ويقول عنه:"وهو ولي نعمتي في كل ما علمته"، ومن أساتذته أيضا الذين نال عنهم خاله الشيخ الحفناوي الديسي.
وفي سنة 1344هـ= 1926م ارتحل إلى جامع الزيتونة لمواصلة رحلته العلمية، فألفى المستوى التعليمي فيها هو نفسه الموجود بالهامل، وهو دليل آخر على مكانة زاوية الهامل العلمية، وبالزيتونة أنهى دراسته العالية عل أيدي الأساتذة الجلاء: الطاهر بن عاشور، محمد بن القاضي، عثمان بن الخوجة، محمد الزغواني، بلحسن النجار ومحمد العلمي الفاسي.
في تونس لازم شيخه الشيخ سيدي أحمد الأمين بن عزوز البرجي، وأخذ عنه علوما جمة وفوائد عزيزة خاصة في علم التصوف.
بعد إقامة سنة بالديار التونسية عاد الشيخ بنعزوز إلى بلده الهامل، فألفى كرسيه لم يشغل واستبشر به الطلاب خيرا، واتسعت حلقات الدرس وتكاثر عليه الطلبة من كل حدب وصوب.
في تلك الفترة عرفت الزاوية إقبال عدد كبير من العلماء والمصلحين، وعقدت بها المحاضرات والندوات العلمية فكان الشيخ بنعزوز من أبرز أعلام ومنشطي هذه الحركة العلمية المباركة.
لم يقتصر الشيخ على التدريس بالزاوية بل حوَّل مسكنه بـ"تغانيم" إلى ناد علمي فكري ثقافي تجتمع فيه نخبة من العلماء والأساتذة وطلبة العلم، ومن الذين زاروا هذا المقر الشريف: الشيخ أحمد الأمين والشيخ الكتاني والشيخ الحسين القفصي والشيخ الحجوي الفاسي، عمر بري، الحفناوي، الإبراهيمي، عابد الجلالي، نعيم النعيمي وغيرهم كثيرون من أهل العلم والمعرفة.
اعتنى الشيخ في هذه الفترة عناية كبيرة بجمع الكتب والمخطوطات وكون مكتبة زاخرة، احتوت على أنفس المخطوطات والمؤلفات، حيث ضمت حوالي 800 مخطوط ناهيك عن المطبوعات. وقد كان من أحل الأوقات لديه وأحبها إلى نفسه حين ينصرف إلى مكتبته العامرة قارئا وباحثا ومستنيرا.
ظل الشيخ على هذه الوتيرة من العمل والعلم ونشر المعرفة وتربية النفوس وتهذيب العقول والدعوة إلى الله. قد يرى أن من واجبه في هذه الفترة العصيبة من تاريخ الجزائر أن يحضِّر الأرضية الصلبة وأن يعدَّ الأمة لمستقبل مشرق، تكون قادرة فيه على إبعاد هذا الليل الطويل.
في سنة 1370هـ= 1951م أسَّس رفقة أخيه الشيخ المكي القاسمي "مدرسة الفلاح" بمدينة بوسعادة لتعليم اللغة العربية والمبادئ الإسلامية.
في سنة 1373هـ= 1954م شدَّ الرحال إلى مدينة "حاسي بحبح"، وقابله أهلها بحفاوة وترحيب عظيمين لمعرفتهم بقيمة الرجل ومكانته، وواصل بهذه البلدة الطيبة مشواره من نشر العلوم والمعارف، وافتتح مدرسة أطلق عليها اسم مدرسة العرفان لتدريس العلوم الشرعية والقرآن وذلك سنة 1374هـ= 1955 وبهذه المناسبة الطيبة ألق الشيخ إمام الجلفة وعالمها الشيخ "سي عطية مسعودي" قصيدة التي عرفت شهرة كبيرة في الناحية نقتطف منها هذه الأبيات:

يا أهل " بحبح" قـد ظفرتم بالمـنى بجوار أعلام الهـدى الأخيار

"مكي" والصنو"بن عزوز "الرضي بهـما فخرتم سائر الأقـطار

فهـم الشيوخ الكـاملون وراثـة فقها ودينا واقتـفا آثـار

كم درسوا من صبية كـم فرجوا من كربة كم خرجوا من قارى

عنهم خذوا بهم اقتدوا كي تهتدوا كونوا لهم من خيرة الأنصار

وبالرغم من مضايقات الاحتلال الفرنسي إلا أن الشيخ صمم على بلوغ أهدافه وتنوير الشعب وإبراز حقائق والاستعمار والدعوة إل التمسك بالدين الحنيف والمبادئ الإسلامية والعادات والتقاليد الأصيلة، و محاربة كل من يدعو إلى التفرقة والاندماج، وفي هذا ما فيه من الجهاد والكفاح.
أقبلت الثورة التحريرية المظفرة فانبرى الشيخ يدعو إلى نصرتها وينافح عنها وهو الخطيب المفوه، ونصبته الثورة قاضيا ومفتيا لترجع إليه في ما استشكل عليها من الأمور، ويقضي بين المسلمين وفق الشريعة الإسلامية. كما شارك أبناؤه في الكفاح المسلح مثل الشيخ أحمد رحمه الله والشيخ بلقاسم حفظه الله.
بعد الاستقلال انتقل الشيخ إلى مدينة عين وسارة بطلب من أهلها، ليعلمهم أمور دينهم ويرشدهم إلى ما فيه خيرهم وصلاحهم، وجعلها دار إقامة واستقرار وميدان تربية وتعليم، وقد أحاطت به جماعة من أخيارها ووجهائها وانتظمت حلقتهم العلمية وسعد الشيخ بهذه الأخوة والمحبة الخالصة لوجه الله.
لما ضاقت مكتبته بقصاده من طلبة العلم والمستفتين والمحبين، سخَّر أحد المحسنين قاعة كبيرة واسعة الأرجاء قريبة من سكن الشيخ، فأضحت منتدى علمي تعقد فيه مجالس العلم وحلقات القرآن والذكر والدعاء.
في هذه الفترة (فترة إقامته بعين وسارة) زار بيت الله الحرام مرتين حاجا، وكان يقضي شهور الصيف بمدينة الجلفة، حيث يستقبله أهلها ويقضي معهم فترة الصيف في تدارس علم وبحث في أمور فقهية واستفتاء عن مسائل لم يجدوا لها جوابا.
تخرج على يديه عدد لا يحصى من الطلبة، على مدى أكثر من نصف قرن من التدريس، لعلَّ أبرزهم الشيخ عبد الحفيظ القاسمي مؤسس مدرسة النجاح بالبيرين، والشيخ معمر حاشي إمام الجلفة والشيخ أحمد القاسمي وغيرهم كثيرون.

له من المؤلفات:

ـ شرح الصدر بإعراب آي القطر: جمع فيه ما استشهد به بن هشام الأنصاري من الآيات والأحاديث في متن القطر وشرحها شرحا مختصرا، فأعط كل شاهد ما يستحقه من معنى وإعراب.

ـ فهرست موضوعات ومصادر ومراجع اليواقيت الثمينة في الأشباه والنظائر لعبد الواحد السجلماسي.

ـ كما قام بتحقيق كتاب " الكواكب العرفانية والإشراقات الأنسية في شرح القدسية " للحسين الورتيلاني، وهو من أجل كتب التصوف بالجزائر.

ـ كتب عددا من الرسائل مثل رسالة في مناسك الحج، رسالة التقوى، رسالة في استعمال جلود الميتة، رسالة في الزكاة.

ـ أعد ترجمة للشيخ محمد بن أبي القاسم الهاملي، أضاف فيها الشيء الكثير عما تضمنه الزهر الباسم.

ـ كما ترك عددا كبيرا من الفتاوى يفوق الخمسمائة فتوى.

صفاتـه:

كان رحمه الله ربع القامة، أبيض البشرة، رقيق العود، خفيف اللحية أبيضها، مرتفع الجبين، واضح القسمات، أشم الأنف، تلوح من عينييه مخايل الذكاء والفطنة، شامخ الرأس دوما، خافت الصوت، يمشي الهوينا، يستعمل العصا أحيانا، طيب الرائحة، يتايمن في أموره كلها، قد زاده الشيب هيبة ووقارا، متشبثا بلباسه الوطني الأصيل الأبيض المحبب إليه، سخي اليد طاهرها، عف اللسان، لايستفزه غضب إلا في الله، لا يداهن في الحق ولا يماليء.

توفي ليلة 21 رمضان 1404 هـ الموافق ل 21 جوان 1984م بمدينة البليدة بعد مرض ألزمه الفراش مدة طويلة، ودفن بمسقط رأسه الهامل في يوم مشهود وشيعه جمع غفير في موكب مهيب غشيه حزن وأسى على فقد علم بارز من أعلام الجزائر وأبَّـنه غير


محمد المأمون القاسمي الحسني شيخ زاوية الهامل الحالي أطال الله عمره

تكملة الموضوع

ترجمة شيخ العارفين سيدي احمد بن مصطفى العلوي قدس الله سره

الحمد لله رب العالمين، حمدا كثيرا طيبا مباركا كما يحب ربنا ويرضى، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على سيدنا ومولانا محمد، سيد الوجود، وفيض المدد والجود، ورضي الله عن الخاصة من هذه الأمة السابقين منهم واللاحقين. 
 وبعد/
  المؤلـــِّف: هو أبو العباس الشيخ الأجل سيدي أحمد بن مصطفى العلوي بن محمد بن أحمد المعروف بأبي شنتوف والملقب بمدبوغ الجبهة بن الحاج علي المعروف عند العامة "بابن عليوة" . 
 
أصل أسرته من مدينة الجزائر، قدم جده الأكبر إلى مستغانم لتولية وظيفة القضاء ثم الاستقرار والسكنى بها، عرفت هذه الأسرة طوال التاريخ بالطهارة والاستقامة والنزاهة والاحترام بين الناس، وهذا البيت يعرف عند أهل مستغانم من أعرق البيوتات المستغانمية مجداً وعزاً وشرفاً وجاها. 
 
 ولد شيخنا عام 1291هـ، وحيداً بين أختين، وقبل حمل أمه به رأت النبي صلى الله عليه وآله وسلم في منامها وبيده الشريفة زهرة نرجس، فابتسم في وجهها فرمى بالزهرة إليها فقبلتها منه على استحياء، ولما أفاقت قصت الرؤيا على زوجها فأولها أن الله سيجيب دعاءه الذي طالما دعا به وهو " رَبِّ لا تَذَرني فَرداً وَأَنتَ خَيرُ الوارثين" فلم يمض غير قليل حتى حملت الأم فاستبشر الأهل، وأكمل الله سرورهم بولادته، فاعتنى الأب به غاية وسعه، وأخذ يغذوه بما أنعم الله به عليه، وكعادة كل أب اعتنى بولده وعمل جهده في تربيته على أحسن حال، وعلّمه القرآن فتركه حتى وصل إلى سورة الرحمن ثم فارقه ليلبي نداء ربه، وعمر ولده سبعة عشر عاما، دفعت ظروف الحياة السيد العلوي إلى العمل من أجل نفسه ووالدته، ولكن في نفس الوقت لم ينس حظه من العلم والتثقيف والتكوين، فكان يقصد المساجد من أجل طلب العلم مساء مدفوعاً برغبة جامحة في القراءة والحفظ، وكان يساعد على تحقيق هذا التطلع ما وهبه الله تعالى من قريحة وقادة واستعداد تام لتلقي العلم، واستمر على ذلك النهج إلى أن حصلت له ملكة الفهم والقدرة على الاستفادة مما يقرأ، فأصبحت القراءة شغله الشاغل يشتغل به وحده ومع أحبابه، وهذا الجموح نحو القراءة والمذاكرة دفعه لتحويل بيته ليلاً منتدى للمذاكرة العلمية والقراءة المفيدة وطلب المزيد عن طريق الحوار والنقاش بين المجتمعين.
 
  تـصوفــه:  
 
إذا أراد الله تعالى شيئا هيأ له أسبابه، فيحكي لنا العارف بالله سيدي أحمد العلوي سبب دخوله في طريق القوم واتجاهه نحو التصوف، والذي أصبح فيما بعد من ساداتهم هو اتصاله بالعارف بالله سيدي محمد البوزيدي المعروف "بسيدي حمو الشيخ" المستغانمي منشأ ودارا، الدرقاوي نسبة ومشربا، فقال له: بلغني أنك تأخذ الحية ولا تخشى من لسعها، فقلت له: نعم هكذا كنت، قال لي: هل يمكنك الآن أن تأتيني بواحدة فتأخذها بحضرتنا؟ قلت: نعم متيسر، وذهبت إلى خارج البلد وبعد ما مرّ نصف يوم لم أجد إلا واحدة صغيرة الجرم يقرب طولها من نصف ذراع، فجئته بها ووضعتها بين يديه وأخذت أقلبها كما هي عادتي وهو ينظر رضي الله عنه إلى ذلك، ثم قال لي: هل تستطيع أن تأخذ غير هاته الحية مما هي أكبر منها جرما؟ فقلت له: إنها عندي على السواء، فقال لي: ها أنا أدلك على واحدة أكبر وأشد منها بأسا فإن أمسكتها فأنت الحكيم، فقلت له: فأين هي؟ فقال لي: هي نفسك التي بين حنبيك، فإن سمها أشد من سم الحية، فإن أمسكتها وتصرفت فيها فأنت الحكيم، ثم قال لي: اذهب فافعل بهاته الحية ما هي عادتك أن تفعل بها ولا تعد لمثل هذا، فخرجت من عنده وأنا أتخيل في شأن النفس وكيف يكون سمها أشد بأساً من سُم الحية. فكانت هاته الكلمة بمثابة جمرة أوقدت في قلب السيد أحمد العلوي رضي الله عنه، وهكذا راض نفسه بأنواع الرياضات على طريقة الصوفية بمخالفته نفسه وإخراجها عن مألوفاتها، وأخذ يذكر الله تعالى غالب الوقت، حتى صار إذا جلس للذكر يهتز جميع بدنه من شدة الذكر وتفاعله معه، إلى أن فتح الله عليه وطرقه الحال الذي يطرق القوم، نفعنا الله به في الدنيا والآخرة آمين. 
 
 تأسيسه للطريقة العلوية:
 
  والطريقة العلوية هي امتداد للطرق الواصلة الموصلة إلى الله تعالى، والتي كانت في العالم الإسلامي منذ البعثة المحمدية، وهدفها هو التربية والتزكية لهذه النفس الأمارة بالسوء، وإجبارها على التخلق بالأخلاق النبوية العظيمة، ودلالة الناس على هذا الطريق الحق وإفراد الله تعالى بالعبادة والقصد، وعدم إشراك غيره في نية العبادة، وتأسيس هذه الطريق في المغرب العربي كان على يد الشيخ العلوي رضوان الله تعالى عليه عام (1333هـــ) بعد انتقال شيخه إلى جوار ربه.
 
 كان الشيخ العلوي ذا علم غزير وحجة قوية وعزيمة نافذة، كما كان يتمتع بشخصية قيادية، حتى صار يشار إليه بالبنان، ولكن الشيخ البوزيدي انتقل إلى الله ولم يستخلفه، تاركاً ذلك إلى الله تعالى قائلاً:" إنما مثلي كمثل رجل أستقر في دار لصاحبها، ولما أراد الخروج أرجع مفاتيحها إلى صاحبها وهو أدرى بمن يليق متصرفاً بداره " ولكن أتباع الشيخ البوزيدي أجمعوا على تقديم العلوي بعد وفاة أستاذهم حيث اتفقوا على أن يكون هو المقدم فيهم وخليفة الشيخ بإلهامٍ من الله تعالى، فقال أحدهم في اجتماعهم في زاوية الشيخ : يا فقراء، من رأى منكم رؤيا فليقصها في الاجتماع القادم، فانفض الاجتماع على ذلك، وما تم الأجل المضروب حتى ما من رؤيا إلا وتشير إلى الشيخ العلوي، فقام بحمل لواء الطريق التي رسمها شيخه والأشياخ من قبله بكل جد وحزم، حتى صارت الطريقة علماً عليه، ولم تزل تسمى باسمه إلى يومنا هذا . 
 
 سـند طريقـه:  
 
وسند الطريقة العلوية متصل اتصالاً روحانياً بسيد الوجود صلى الله عليه وآله وسلم، وضعه الشيخ العلوي نفسه وقد نقلناه عنه بالنص: 
 
 "ولما كان مشرب القوم رضوان الله عليهم أبلغ المشارب في التحقيق وأسنى المدارج في التدقيق تعين على كل منتسب إليهم أن يحقق مستنده على الوجه الأحق، لأن الحقائق لا تؤخذ من كل ذي دعوة إلا بعد تحقق انتسابه على الوجه الأكمل كما ستراه ـ إن شاء الله ـ في هذه السلسلة المرتبطة خلفاً عن سلف إلى السول صلى الله عليه وسلم من غير ريبة ولا أدنى شبهة في درة من دررها فالمتمسك بالفرع آخذ بالأصل مهما تحقق الاتصال إلى أن قال : وللمقتصر أن يقتصر على الجهة العليا من الصحيفة لأنها أولى بالتحفظ وهي وهي في طريقنا حسبما بلغنا وتلقيناه من ذروة مجدهم وثمرة غرسهم ذي الأخلاق الطيبة والأسرار العجيبة سيدنا ومولانا محمد بن الحبيب البوزيدي الشريف المستغانمي طيب الله مقواه وجعل الحضرة العلية منزله ومأواه، فعنه رضي الله عنه أخذنا ولقننا وأذن لنا فجزاه الله بما هو أهله، وهو أخذها عن أستاذه أبي المواهب سيدي محمد بن قدور الوكيلي عن سيدنا محمد بن عبد القادر الباشا عن سيدي أبي يعزى المهاجي وهما عن سيدي مولاي العربي بن احمد الدرقاوي عن سيدي علي الجمل عن سيدي العربي بن عبد الله عن سيدي أحمد بن عبد الله عن سيدي قاسم الخصاصي عن سيدي محمد بن عبد الله عن سيدي عبد الرحمن الفاسي عن سيدي يوسف الفاسي عن سيدي عبد الرحمن المجذوب عن سيدي علي الصنهاجي عن سيدي إبراهيم الفحام عن سيدي أحمد زروق الفاسي عن سيدي أحمد الحضرمي عن سيدي يحي القادري عن سيدي علي بن وفا عن أبيه سيدي محمد وفا عن سيدي داود الباخلي عن سيدي أحمد بن عطاء الله عن سيدي أبي العباس المرسي عن سيدي أبي الحسن الشاذلي عن سيدي عبد السلام بن مشيش عن سيدي عبد ارحمن العطار الزيات عن سيدي تقي الدين الفُقَيْر (بالتصغير فيهما) عن سيدي فخر الدين عن سيدي نورالدين أبي الحسن علي عن سيدي محمد تاج الدين عن سيدي محمد شمس الدين عن سيدي زين الدين القزويني عن سيدي إبراهيم البصري عن سيدي أحمد المرواني عن سيدي سعد عن سيدي فتح السعود عن سيدي سعيد الغزواني عن سيدي أبي محمد جابر عن سيدي الحسن بن علي عن سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه وكرم وجهه عن سيد المرسلين سيدنا ومولانا محمد بن عبد الله عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام. 
 
 اتصال المحقق بهذا النسب الشريف: 
 
 وتحدثاً بنعمة الله تعالى وتبركاً بهذه السلسلة الذهبية الشريفة المباركة أذكر سند اتصالي بها، فقد أخذت الطريق عن سيدي الشريف الحسيني القطب عبد الكريم بن سليم المومني الجنيدي عن سيدي القطب محمد سعيد الكردي عن سيدي القطب محمد بن أحمد بن الهاشمي التلمساني عن سيدنا الإمام أحمد العلوي رضي الله عن جميعهم، وخرطنا في سلكهم ورزقنا محبتهم وشفاعتهم: لي سادة من عزهم أقدامهم فوق الجباه إن لم أكن منهم فلي في حبهم عز وجاه.
 
 طريقته في الإرشاد:  
 
عاش الشيخ العلوي في زمنٍ استولى فيه الاستعمار الفرنسي على الجزائر، ولم يأل الاستعمار جهداً في سلخ الشعب الجزائري عن هُويته العربية، ودينه الإسلام، فأراد العلوي أن يُبقي على الشعب هذه الهوية، وهذا الدين، فسار في خطين : 
 
 الأول : على الصعيد الداخلي . 
 
 الثاني : على الصعيد الخارجي . أما على الصعيد الداخلي، فكان نشاطه داخل الزاوية وخارجها، أما داخل الزاوية فكان إذا أتاه المريد لقنه التوبة ثم يأمره بقراءة أوراد الطريقة من الأذكار الواردة في السنة وهي كلمة التوحيد والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم والاستغفار، ثم يأمره بمداومة الذكر في خلوته ويعلمه ما يحتاجه من علم العقيدة والفقه، ويأمره بملازمة حضور مجالس العلم حتى لا يمضي عليه مدة وجيزة إلا وقد تخرج عالماً من عند شيخه، وهكذا، فأقبل الناس عليه ونهلوا من علمه حتى صاروا يُعدّون أكثر من مليون مريد خلال خمسة من الأعوام، وانتشرت زواياه في أنحاء الجزائر كافة، وذلك حركة معاكسة لقوى الشر المتمثلة في الاستعمار، فتيقظ الشعب لذلك وتمسك بأهداب دينه الحنيف، وصار أتباعه دعاة داخل الجزائر وخارجها . وأما نشاطه خارج الزاوية فقد سار في عدة خطوط ... 
 
 أهمها : استعمال الإعلام من أجل توصيل الثقافة الإسلامية لكل بيت في الجزائر والتحذير من خطر الاستعمار، فأنشأ صحفاً محلية كانت تطبع باللغتين العربة والفرنسية، فأنشأ صحيفة "البلاغ" وبعد سنوات أمرت السلطات الفرنسية بإغلاقها، ثم أنشأ صحيفة "المرشد"، وبعد مدة وجيزة أمرت السلطات الفرنسية بإغلاقها لما رأته فيها من خطر ضدها، ثم أنشأ خليفته الشيخ عدة بن تونس صحيفة " لسان الدين ". 
 
 إقامة المؤتمرات والندوات الدينية في كافه أرجاء الجزائر . إرسال المعلمين والمتخرجين في زواياه إلى مدن الجزائر ليعلموا الناس.
 
إنشاء الزوايا في مدن الجزائر المختلفة التي كانت تشكل صروحاً دينية تعليمية وإرشادية للناس . 
 
إنشاء وإصدار العديد من المؤلفات وتعميمها على الناس، وقد عمت هذه الكتب مدن الجزائر وما حولها كافة، وكانت مكتوبة بأسلوب محبب للقارئ فلا ُتمل، وقد كانت تترجم شخصية الأستاذ وأدبه وأخلاقه وعلمه، فلا يسع القارئ إلا أن يشد الرحال ليحظى برؤية هذا العالم الجليل . القيام بالزيارات الجماعية لكثير من المدن يرافقه فيها أتباعه وعدد من رجال الصحافة لتغطية برنامج الزيارة، والهدف من ذلك إيصال دعوة الإسلام إلى كل مكان باستطاعتهم الوصول إليه، وتوعية المواطنين من خطر الاستعمار وما يحيكه من مؤامرات سرية ضد الإسلام . وأما خارج الجزائر فقد سار الإمام العلوي خارج البلاد بنفس الخط الذي انتهجه على الصعيد الداخلي، فقد بث أتباعه في قلب أوروبا وأنشأ الزوايا فيها، وكانت منطلقاً وصروحاً يؤمّها الناس ليأخذوا من القائمين على خدمتها، فأنشأ زوايا في كل من : فرنسا، حيث كان له زاوية في "باريس" وأقـام فيها مسجداً ، وكذلك في "أهيو" بهولندا، وزوايا في بريطانيا، في "كارديف، وليفربويل، وهال، وسوث شيلدز، وزاوية في لاهاي، وواحدة في مرسيليا ، وكذلك كان له زوايا في البلاد العربية مثل حضرموت وسورياوفلسطين والمغرب وتونس وأديس أبابا.
 
  أثــر هـذه الــزوايــا : 
 
 أجمل أثر هذه الزوايا فيما يلي : 
 
 01 أحدثت هذه الزوايا ردة فعل معاكسة لنهج فرنسا التي انتهجته والمتمثل بفرنسة الشعب الجزائري، فثاب الناس إلى دينهم وتمسكوا بقرآنهم، وأحدثت عندهـم التوعية لمخططات فرنسا وعملائها داخل البلاد الإسلامية . 
 
 02 زادت من تمسك الشعب الجزائري بتراثه، فلم تصنع فيه المغريات والتحديات شيئاً بعد أن عرف الشعب قيمة هذا الدين الذيينتمي إليه، وخطورة التيار والبرنامج الاستعماري الذي يواجهون . 
 
 03 دخول كثير من العائلات الفرنسية النصرانية في الإسلام بسبب وصول دعوته إليهم ، وسأضرب على ذلك مثالاً : استعمل أتباع الأستاذ العلوي منهاجاً غريباً في توصيل دعوة الإسلام إلى الكفار في فرنسا، فقد كانوا يشيّعون الميت برفع أصواتهم بالتهليل ويمرون به في شوارع باريس وأسواقها، يمضون ساعات في ذلك حتى يتم دفنه، وكانوا يهدفون من ذلك إلى لفت أنظار الناس، فإذا ما تساءلوا عن ذلك انبرى لهم أحد الدعاة الذي يجيد اللغة الفرنسية، فيجمعهم ويتحدث إليهم عن محاسن الإسلام، فلا يقوم من عندهم إلاّ وقد دخل بعضهم في الإسلام ورغب فيه البعض الآخر وهكذا، حتى دخلت آلاف من العائلات الفرنسية في الإسلام بهذه الطريقة . 
 
 04 إسلام عدد من المسئولين الفرنسيين في الجزائر والذي كان سبباً في تسهيل مهمة الأستاذ، فبعد أن كانوا أعداءً له وخصوصاً، صاروا من أتباعه ومناصريه . 
 
 05 توبة كثير من الأسر الجزائرية التي بهرتها الثقافة الأجنبية، فبعد أن كانت معولاً لهدم الإسلام أصبحت اليوم أيدي بناءة لصرحه . 
 
 06 توبة الكثير من كبار المسؤولين الجزائريين الذين كانوا موظفين في حكومة فرنسا الحاكمة، فصاروا أنصاراً للإسلام بعد أن كانوا غير ذلك، ولا زالت هذه الزوايا قائمة إلى يومنا هذا والحمد لله، وقد اجتمعت بعدد منهم، فرأيت منهم الغيرة على الإسلام والتمسّك بتعاليمه، لكنهم لا يجيدون الكتابة في العربية إلا أنهم يحسنون النطق بها . 
 
 مـؤلّفـاتــه.  
 
ترك الأستاذ مجموعة قيمة من الكتب، وغالب كتاباته كانت في الصحف، وهذا ما استطعت الوقوف عليه من مؤلفاته : 
 
 01القول المعروف في الرد على من أنكر التصوف، وهو كتاب جدير بالقراءة من شباب العصر، فهو يجيب عن كثير من التساؤلات التي يطرحونها ويشفي غليلهم بما أورده من الأدلة الشرعية والبراهين القطعية في مشروعية التصوف، وهو الجزء الثاني من هذا الكتاب .
 
02 مفتاح الشهود في مظاهر الوجود، وقد أبان فيه عن قدرة فائقة في العلوم الكونية بأنوار لدنية أقام بواسطته الدليل على الملحدين والجاحدين والمنكرين من الكتاب العزيز والسنة المطهرة، ووضح فيه كثيرا من الشبهاتالتي تعترض المفكرين والفلاسفة وعلماء الهيأة (ألّفه سنة 1904م) وقد طبع .
 
03 المواد الغيثية الناشئة عن الحِكَم الغوثية، وهو شرح للحكم المنسوبة للغوث أبي مدين شعيب الأندلسي. 
 
04 الناصر معروف في الذب عن مجد التصوف، وهو موضوع كتابنا هذا . 
 
05 القول المقبول فيما تتوصل إليه العقول، وهو كتاب يقع في حوالي عشر صفحات ركز فيه على أسس العقيدة الإسلامية. 
 
06 البحر المسجور في تفسير القرآن بمحض النور، وهو تفسير للقرآن العظيم، فسر فيه سورة الفاتحة و (206) آيات من سورة البقرة ووقف عند قوله تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ) (البقرة:207) فسره على طريقة الصوفية وهو ما يسمى بالتفسيرالإشاري . 
 
07 مبادئ التأييد فيما يحتاج إليه المريد في علم الفقه والتوحيد، وهو على نهج منظومة ابن عاشر ألفه سنة (1926) .
 
08 الرسالة العلوية، وهي منظومة حوت قضايا الفقه المالكي وسار فيها على نسق الشيخ خليل في مختصره وهي قصيدة في ألف بيت ... قال في تسميتها: سميتها الرسالة العلوية في البعض من المسائل الشرعية.
 
09 الأنموذج الفريد المشير لخالص التوحيد في نقطة بسم الله الرحمن الرحيم . 
 
10 دوحة الأسرار في معنى الصلاة على النبي المختار، وقد قمت بتحقيق الكتاب ونشره عام (1423هــ) وهو الحلقة الثانية من هذه السلسلة . 
 
11 المنح القدوسية بشرح المرشد المعين على طريقة الصوفية، شرح فيها منظومة ابن عاشر في الفقه المالكي . 
 
12 ديوان شعر . 
 
13 الألفية في الفقه المالكي، ولعلها هي الرسالة العلوية . 
 
 14 الأبحاث العلوية في الفلسفة الإسلامية . 
 
 15 مناهل العرفان في تفسير البسملة وسور من القرآن . 
 
 16 لباب العلم في تفسير سورة النجم . 
 
 17 نور الإثمد في سنة وضع اليد على اليد، عالج فيه قضيد سدل اليدين على الجنبين في الصلاة وقبضهما ورد فيه على الذين ينكرون مشروعية القبض.
 
  18 مفتاح علوم السر في تفسير سورة والعصر .
 
  19القول المعتمد في مشروعية الذكر بالاسم المفرد (اللـــه) .
  
 20 الأجوبة العشرة، وهو كتاب عظيم الشأن رفيع القدر في بابه، إذ عالج فيه موضوعاً يعد من أخطر المواضيع التي لم تدرس بالطريقة التي ينبغي أن تدرس بها، فدرس كتابي العهد القديم والجديد، ومنها أقام الحجة على بطلانها من خلال تعارض نسخها الثلاث والمطبوعة باللغات؛ العبرانية واليونانية والسامرية، وأقام الحجة على صحة الديانة الإسلامية بما أورده من أدلة تاريخية وعقلية ونصّيّة من تلك الكتب ثم دعم ذلك بما يشهد لها من أدلة شرعية من القرآن والسنة وحجج منطقية فلسفية. 
 
 21 النور الضاوي في الحكم والمناجاة، والمتمعن فيها يجد فيها طعما مغايرا لكلام الإنسان وكأنه تسبيح من الملأ الأعلى، أو هو كلام قريب عهد من الله، وقد طبعت المناجاة منها ونشرتها ضمن كتابي (الدرة البهية في الأحزاب الشاذلية) عام 1417هـ. هذا ما استطعت الوقوف عليه من مؤلفات الأستاذ رحمه الله، وقد قامت المطبعة العلاوية في مستغانم بنشر العديد من هذه المؤلفات، وبعضها بخط يدوي، ولا يزال البعض الآخر مخطوطاً، وأسأل الله أن يوفقني لنشرها جميعا . 
 
 تلاميـذه وخلفـاؤه: 
 
 أخذ الطريق من الشيخ مئات الآلاف من الناس داخل الجزائر وخارجها، ولكثرتهم يستحيل حصرهم، ولكني أقتصر على ذكر من وقفت عليه من الأشياخ الذين ورثوا الأستاذ في القيام بأعباء الدعوة والإرشاد في مختلف الزوايا التابعة لطريقته، فمنهم : 
 
01 الشيخ عُدّة بن تونس المستغانمي ( ويقال يونس وعدّه بعضهم تصحيفا ) وقد خلف الأستاذ في زاويته بالجزائر . 
 
02 الشيخ محمد بن الهاشمي التلمساني، وقد خلف الأستاذ في المشرق، فقد أجازه عام 1331 هـ في العام الذي حجّ فيه، ، أمام جمعٍ من علماء سوريا قائلاً : خليفتنا الوحيد في المشرق سيدي محمد الهاشمي، حيث قام بزيارة لفلسطين وسوريا، والتقى بكبار العلماء . 
 
03 الحاج مصطفى بن عبد السلام الفلالي، أجازه الأستاذ في فلسطين، ولما كان الاحتلال اليهودي هاجر إلى شرق الأردن وسكن مدينة الزرقاء إلى إن توفي إلى رحمة الله . 
 
04 الشيخ سعيد الديماني، وكان مجازاً بنشر الطريقة في عدن .
 
05 الشيخ محمد المديني القصيبي، أجازه الأستاذ في تونس، وكان مقره في مدينة " قصيبة المديوني" كان رحمه الله عالماً من فضلاء علماء تونس، وأديباً شاعرا، له قصائد شعرية في مدح أهل الله وطريقتهم، ولم تزل زاويته باقية إلى اليوم، وأبناؤها على قدر من الصلاح والتدين، وقد اجتمعت بعدد منهم في مكة المكرمة.
 
06 العارف بالله عبد الله علي الحكيمي، يمني الجنسية، وهو المقدم في زوايا بريطانيا، ومقره في كاردف ، ولم تزل الزاوية إلى اليوم بأهلها عامرة، والقيّم عليها من أحفاد الشيخ عبد الله، ويؤم هذه الزاوية المسافرون من أبناء الطريق إلى بريطانيا . 
 
07 الشيخ حسن إسماعيل اليماني، وقد أجازه الأستاذ بزاوية " أهيو" بهولندا .
 
08 الشيخ احمد بن علي بن حسين، مقدم الزاوية العلاوية في بلدة عاقر بفلسطين . 
 
09 الشيخ خليل شبيب مقدم زاوية الأستاذ في يافا .
 
10 الشيخ أبو إسماعيل الزقزوقي، خليفة الشيخ في زواياه على الساحل الفلسطيني . 
 
11 الشيخ احمد بن علي المنصور مقدم الزاوية العلاوية في بيت المقدس، ومقره جبل المكبر . 
 
12 الشيخ مصباح الأزهري خليفة الأستاذ في زاويته بغزة هاشم. 
 
 هذا ما استطعت الوقوف عليه من أسماء خلفاء الأستاذ في مختلف المناطق العربية والأجنبية، عليهم رضوان الله جميعا، ونفعني بهم.
 
بقلم: أ.سيدي عبد الله محمد عكور 
تكملة الموضوع

.
مدونة برج بن عزوز © 2010 | تصميم و تطوير | صلاح |