أذكار الشيخ   من الأدعية المأثورة عن سيدي محمد بن عزوز البرجي رضي الله عنه:   اللهم ارحمني إذا وَاراني التُراب، ووادعنا الأحباب، وفَارقنا النَّعيم، وانقطع النَّسيم، اللهم ارحمني إذا نُسي اسمي وبُلي جسمي واندرس قبري وانقطع ذِكري ولم يَذكرني ذَاكر ولم يَزرني زَائر، اللهم ارحمني يوم تُبلى السرائر وتُبدى الضمائر وتُنصب الموازين وتُنشر الدواوين، اللهم ارحمني إذا انفرد الفريقان فريق في الجنة وفريق في السعير، فاجعلني يا رب من أهل الجنة ولا تجعلني من أهل السعير، اللهم لا تجعل عيشي كدا ولا دُعائي ردا ولا تجعلني لغيرك عبدا إني لا أقول لك ضدا ولا شريكا وندا، اللهم اجعلني من أعظم عبادك عندك حظا ونصيبا من كل خير تقسمه في هذا اليوم وفيما بعده من نور تهدي به أو رحمة تنشرها أو رزق تبسطه أو ضر تكشفه أو فتنة تصرفها أو معافاة تمن بها، برحمتك إنك على كل شي قدير، أصبحنا وأصبح كل شيء والملك لله، والحمد لله، ولا اله الا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت، وهو على كل شيء قدير

ترجمة سيدي أبو القاسم محمد الحفناوي صاحب كتاب تعريف الخلف برجال السلف

بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيّدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما

ترجمتنا اليوم هي لأحد ألمع وأبرز العلماء الأجلاء الذين أنجبتهم بلدة الديس بسيدي إبراهيم التابعة لحاضرة بوسعادة التي تقع على بعد 242 كلم جنوب العاصمة الجزائرية، إنه العلامة الشيخ العارف بالله الأديب النحوي الأستاذ اللغوي المؤرخ سيدي أبو القاسم محمد الحفناوي بن سيدي إبراهيم الغول، صاحب الكتاب المشهور" تعريف الخلف برجال السلف "، كتبها تلميذه - الذي كان ملازما له طيلة إقامته في العاصمة - المؤرخ الجزائري الكبير العلامة الشيخ " عبد الرحمان بن محمد الجيلالي " - رحمه الله و نفعنا بعلمه – في كتابه القيم " تاريخ الجزائر العام " في قسم : من مشاهير الجزائر ( ج : 4 ،ص : 425-435 - الطبعة السابعة 1415 هـ/ 1994م - ديوان المطبوعات الجامعية الجزائر ).



أبو القاسم محمد الحفناوي (12661360 هـ 18501942 م).

شيخنا العالم المحقق الفهامة المدقق الأستاذ أبو القاسم محمد الحفناوي بن الشيخ بن أبي القاسم الملقب والمعروف بابن عروس بن الصغير بن محمد – بفتح الميم – المبارك الديسي يتصل نسبه بولي مدينة ( بوسعادة ) صاحب الضريح الشهير بها سيدي إبراهيم ( الغول ) و أمه السيدة خديجة بنت الشيخ العالم الأصولي المدرس محمد المازري الديسي.


ولد قدس الله روحه بقرية ( الديس ) قرب مدينة بوسعادة حوالي سنة 1266هـ/1850 فنشأ في حجر والديه الأكرمين فحفظ القرآن الحكيم ووعاه عن ظهر قلب عن الشيخ الصالح العالم الشاعر محمد بن عبد الرحمن ( البصير ) الديسي، ولقد كان كل من أقربائه وذويه يحفظون القرآن الكريم مع ما لابد منه من علوم الدين وقواعد اللغة، أما والده فكان من أعيان علماء عصره في اللغة والأدب و الفقه والتوحيد وإليه كانت المرحلة في طلب النحو والصرف والتوحيد والمنطق والفقه والحساب وعلوم البلاغة والعروض، فعنه كانت تؤخذ هذه العلوم كلها بتلك الأصقاع، استدعي للتدريس بمختلف زوايا البلاد ومعاهدها الدينية، وتخرج على يده عدد وافر من الطلبة انتشر صيتهم ما بين قسنطينة إلى سوف ومن نفطة إلى الأغواط، ومنهم الشاعر المؤلف الشيخ محمد بن عبد الرحمن الديسي الكفيف، ثم انقطع في بيته مشتغلا بكسب عيشه بطريق الزراعة وتربية الماشية و تعليم أبناء الناحية مع أولاده الذين كان منهم ولده مترجمنا شيخنا الحفناوي.

أخذ الحفناوي مبادئ العلوم عن والده وكان ذا قريحة وقادة مع سرعة في الحفظ حتى أنه كان في بعض الأحيان يحفظ الصفحة من الكتاب من مطالعتها مرتين في الوقت فقط ، ثم ارتحل بإذن والده إلى الاتصال بمشيخة كبار معاهد العلم والزوايا الشهيرة في وقته، فنزل بزاوية طولقة من ولاية بسكرة واتصل بشيخها الحفناوي بن الشيخ علي بن عمرو مؤسس الزاوية، وهو من تلامذة والد المترجم له.


 فأخذ عنه وعن الشيخ مصطفى بن عبد القادر ما عهد تدريسه بالزوايا يومئذ من علوم الشريعة والأدب ومكث هناك أربع سنين، ثم انتقل منها طلبا للاستزادة من تحصيل العلم بالتلقي عن الرجال فنزل بزاوية الشيخ ابن أبي داود بتاسيلت في بلد آقبو من أرض زواوة قضى بها ثلاث سنوات أخذ فيها علوم القرآن الكريم مع دراسة الفقه والفلك على الشيخ محمد الطيب بن أبي داود الزواوي، ثم عاد إلى بوسعادة والتحق بزاوية الشيخ البركة محمد بن أبي القاسم الشريف الهاملي فجاور بها سنتين أخذ فيهما التفسير بالحديث الشريف عن مؤسس زاوية الهامل نفسه وكل من هؤلاء المشائخ المذكورين أجاز مترجمنا بإجازة تشهد لصاحبها بالتحصيل مع الإذن له في التعليم ، ثم انقطع إلى أسرته بالديس عاكفا على المطالعة والبحث مع تحقيق المسائل وتصحيحها على والده وعلى الشيخ محمد الصديق الديسي ...

وفي هذه الفترة ( 1293هـ/1876م ) حضر لديهم العلامة الإمام الشيخ محمد المكي بن عزوز جاء من تونس كعادته ليزور جده لأم ( الشيخ بن عروس ) الذي هو والد الشيخ الحفناوي فانتهزها شيخنا فرصة سانحة فأخذ عن ابن أخته علم الربع المجيب بأرجوزته التي وضعها في هذا الفن المسماة بـ ( الجوهر المرتب في العمل بالربع المجيب ) مطبوعة و قد قرأناها عليه وأمرني بشرحها فكتبت عليها شرحا وافيا ولم تكن مشروحة من قبل إلا ما كتبه واضعها حول تراجم أبوابها فيما أسماه " التقرار المهذب في حل تراجم أبواب الجوهر المرتب " مطبوع وما أخذ عنه أيضا علم العروض مع أشياء أخرى و فوائد كثيرة.

وسألته يوما عن الدافع الموجب أو الباعث السعيد الذي كان سببا في انتقاله عن إقامته في مسقط رأسه ( الديس – بوسعادة ) إلى سكني العاصمة ؟.. فقال لي يا ولدي إنني لما كنت بقريتنا الديس كنت مشغوفا بمطالعة الكتب وأختار منها ما تميل إليه نفسي ويشتهيه خاطري، وكان فيما طالعته هناك وختمته مرارا كتابان جليلان، وهما " كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون " لحاجي خليفة و الثاني هو " مقدمة ابن خلدون "، قال: فأعجبت بهما معا غاية الإعجاب وملكا علي حواسي فاشتدت رغبتي في تحصيل العلم وتاقت نفسي إلى البحث عمن يحسن من العلماء ما احتوى عليه هذان الكتابان من معارف، فقلت إن ذلك لا يوجد إلا في العواصم، فهذا ما دفعني إلى شد الرحل إلى مدينة الجزائر باحثا عن عالم بصير بما هنالك ...

ونزل أستاذنا الحفناوي العاصمة سنة 1300هـ/1883م  يحمل معه كتبا في فنون من علم المعقول وكان من بينها كتاب للجغميني الفلكي في علم الهيئة ( مخطوط ) وصحب معه آلة الإسطرلاب وأخذ يبحث عن علماء عاصمة الجزائر، فدل على دكان الوجيه المرحوم سيد علي ابن الحداد ، وكان متجرا تلتقي فيه النخبة العلمية بالعاصمة في ذلك التاريخ فذهب إليه وبيده آلة الإسطرلاب الذي أحضره معه يوم أن جاء من ( الديس ) فاجتمع ببعض من حضر في ذلك الوقت من العلماء و تباحث معه في شأن الإسطرلاب فلم يجد عنده علما بهذا الشأن فسقط في يد الشيخ ..

وفي العاصمة تعرف إلى فئة طيبة من العلماء كان منهم الشيخ علي بن الحفاف المفتي المالكي ومدرس الجامع الكبير وإمامه الأول الشيخ محمد القزادري والأستاذ الشيخ حسن بريهمات مدير المدرسة، فاقترح عليه هذا الأخير ليكون في صف إخوانه أساتذة المدرسة معلما، وكان الشيخ القزادري المذكور منهم، فامتنع شيخنا من ذلك وقال: إنما جئت طالبا للعلم متعلما لا معلما، ولكن الجماعة رأت فيه الكفاءة التامة ليؤخذ عنه العلم فألحت عليه وأكدت في اقتراحها هذا حتى نزل عند اقتراحها وتقلد منصب التدريس بالمدرسة، وأقبل عليه مديرها حسن بريهمات معجبا بعلمه وأدبه و حسن أخلاقه وتصدى الشيخ لبث معارفه بين صفوف التلاميذ ولم تزد مدة ذلك عن خمسة أشهر فتوفي المدير حسن بريهمات رحمه الله فرثاه شيخنا على قبره بأبيات من الشع، ثم غادر المدينة عائدا إلى مسقط رأسه ديس بوسعادة، وفي ذلك نراه يروي لنا قصته هذه بنفسه في كتابه الحافل " تعريف الخلف برجال السلف " فيقول:

" لما ساقتني الأقدار إلى الجزائر كان المرحوم – حسن بريهمات - أول من ضمني إليه وأطلعني على غثها وسمينها، و قد جئتها طالب علم علمائها وزيارة أهلها فأغناني عن إحيائها بما عنده في المدرسة الدولية وكان رئيس إدارتها إلى أن توفي رحمه الله يوم 10 جمادى الأولى سنة 1301 هـ مأسوفا عليه .... " (1).

وما كاد الشيخ يستقر مطمئنا بين أهله و ذويه في الديس حتى فوجئ بدعوة رسمية جاءته من الولاية العامة بالعاصمة تدعوه إلى الالتحاق بمركز الإدارة بالجزائر، فعاد الشيخ إلى العاصمة من غير أن يدري السبب، فلما عاد (1301هـ/1884م) قدم للتحرير بإدارة جريدة المبشر الرسمية في مكان الوطني الغيور المرحوم الشيخ أحمد البديوي، فكان هذا مما دفع بشيخنا أيضا إلى درس اللغة الفرنسية والإطلاع بها على العلوم العصرية مع مشاركة وإلمام بالتقنيات، وكان شيخه فيها كما يقول هو: العالم المستشرق ( أرنو) رئيس المترجمين بالإدارة، فاعترف له الشيخ بهذا الجميل وذكره في كتابه الخالد " تعريف الخلف" فقال:

" هو شيخي في العلوم العصرية ومعلمي اللغة الفرنسوية، ومساعدي على طلبها، وبتربيته العقلية والعلمية ارتقيت إلى درجة أفتخر بها على أبناء وطني، ونلت منه معارف كثيرة لأنه - أحسن الله إليه - كان لا يتكلم إلا لحكمة ولا يسكت إلا لها، وهو الذي علمني التواضع القلبي والترفع القالبي على أهل الكبرياء، فلله دره من شيخ حكيم .... لازمته في جريدة المبشر وكان مديره وأنا كاتبه مدة اثني عشر عاما ...." (2)

وعندما اشتغل أرنو هذا بترجمة فصل ( فن التصوف ) من كتاب "سعود المطالع" لعبد الهادي نجا الأبياري وعمل على نقله إلى اللغة الفرنسية، كان شيخنا يساعده على شرح النصوص الصوفية التي جاء بها المؤلف وقد صدر هذا البحث منشورا باللغتين العربية والفرنسية - الجزائر - سنة 1305هـ/1889م.

ولقد بلغ من شدة تعلقه بالتقنيات والفنون العصرية أن كان هو أول من امتلك من المسلمين بالعاصمة آلة الفونوغراف أو الجهاز الحاكي - بالجزائر فكان بذلك أول بيت لمسلم جزائري سمع فيه صوت الحاكي، هو بيت الحفناوي، وتزوج الشيخ من أسرة جزائرية فأنجب ذكرا واحدا و ثلاث بنات ...

ومن شدة توقانه إلى حب الإطلاع على مستحدثات الأشياء والمخترعات الحديثة أنه كان كثيرا ما يتردد على الأسواق العمومية حيث تباع فيها الأشياء القديمة أو ما استغنى عن استعماله من الأجهزة البالية فيشتري منها الشيخ هاتيك الآلات والماكينات الخفيفة ويأخذ في فحصها بتفكيك أجزائها كلها ثم يحاول بنفسه تركيبها ثانيا وردها إلى ما كانت عليه من قبل ولا عليه بعد ذلك فيما إذا وفق إلى غرضه أم لم يوفق، كل ذلك حبا في الاطلاع والمعرفة و كان إلى ذلك شغوفا بفن الرسم والتصوير، ومعجبا مغرما كذلك بما جاء به فطاحل رجال التصوف الإسلامي وأعيان علمائه من آراء فلسفية وأفكار غريبة عجيبة، فكان يقدمها لنا بكل احترام ويشرحها شرحا دقيقا حسبما يبلغ إليه فهمه ويكل ما غمض منها إلى الله ولاسيما منها آراء ابن عربي في فتوحاته والدباغ في الإبريز فقد كان له ذوق ممتاز وخاص به في فهم كلامهما وشرحه، وهذا يقرب لما حكاه محمد رشيد رضا على الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده فقال: قد أخبرني أن كتاب الفتوحات المكية عنده كتاريخ ابن الأثير، لا يقف فهمه في شيء منه، ( تاريخ الأستاذ الإمام ج 1 ص 126 ط القاهرة 1350هـ/1931م ) وعلق على كلام الإمام هذا بقوله: لأن لغوامضها مفتاحا من علمه لا يخفى عليه شيء منها.

وفي سنة 1314هـ/1897م شغر منصب التدريس بالجامع الكبير في العاصمة فتقلده الشيخ بالإضافة إلى عمله الإداري وشرع من حينه في تدريسه علوم الشريعة والأدب، فاقرأ الفقه والتوحيد والنحو والصرف والحديث واللغة والمنطق والفلك والحساب وأخذنا نحن ذلك عنه، و كان وئيدا في إلقاء الدرس لا يتسرع كثيرا متعمقا في البحث مع كثير من التأمل ولما توفي المفتي المالكي الشيخ محمد أرزقي ابن ناصر توجهت الأنظار إلى الشيخ الحفناوي ليتولى هذا المنصب الرفيع فتجاف رحمه الله عنه تخلصا من عظم مسؤوليته السياسية والإدارية والدينية أيضا كما اخبرني بذلك هو عن نفسه، وأخيرا وقع الإجماع على تعيينه فقبله ولم يرفض (1343هـ/1925م).

وتهاطل يومئذ على الشيخ كثير من رسائل التهاني و المدح – نظما و نثرا - وفيها ما نشرته الصحف والمجلات ... ومنها هذه القصيدة التالية التي وردت على صحيفة النجاح - القسطنطينية - الجزائر - من القاهرة فنشرتها في عددها الصادر يوم الجمعة 10 جويلية 1925م.

قالت الصحيفة : تهنئة من القاهرة

وردت علينا القصيدة البليغة الآتية لحضرة العلامة الأرفع صاحب الإمضاء في تهنئة فضيلة الشيخ المفتي بالعاصمة الشيخ الحفناوي و قد عزمنا على أن نجعلها آخر تهاني الشيخ إذ هي جديرة بأن تكون خاتمتها و هاهي بلفظها الشائق و إحكامها الفائق:

إن بالغ الناس في الإطراء أو خطبـــوا *** فما يفي بعلاك المدح و الخطب
ترنو العلى لك من وجد و من شغف *** فأنت أنت فتاها الحاذق الأرب
بصرت فيك من الحسنى بأربعــــــة *** الحزم و العزم والإنصاف والأدب
فلم نجدك طروبا عند معضلـة *** و لم تنل منك أخطار و لا ريب
ولم تزل عون مضطر يحيق به *** مستهدفات الأذى و الظلم و النوب
وذا انتصاف له من ظالميه بما *** يقضي ذكاؤك و القانون و الكتب
قسطاس عدلك في الأشياء معتدل *** ومن سنى وجهك الأقمار تكتسب
لو خالك البدر يوما لانثنى خجلا *** و قال مندهشا سبحان من يهب
لله درك فـــردا في شمائلــــه *** ذا رقة تتهــادى مدحــه النجب
يهل شخصك في إنسان باصرتي *** فيستفزني الإعجاب والطرب
سمــوت للمجـد وثابـا بفاضلـــة *** تبارك الله نبــل زانــه حســــب
سلالة "الغول إبراهيم" من وجدت *** فيه الكفـــاءة للافتــا كمـا يجـب
رحب الجناب جمال العلم أجلسه *** على بساط الهنا والعز لا النشب
سمت فضيلة (حفناوي) بنيل منى *** كما سما في السماء السبعة الشهب
فللجزائـر أن تهنـا بخيـر فتــى *** لقد توفــر فيــه الشرط والسبـب
فما بال أبنائها باتوا على ظمأ *** بما عليهم إذا من بـحره شربوا
هذا أوان حياة الروح فاغتنموا *** أرقى حياة فمحيي الروح محتسب
ما الجسم إلا بروح العلم معتبر *** جسما وإلا فمن أفراده الخشب
بدار إفتائه لأوذوا بني وطني *** فما على بابه المفتوح محتجب
يقضي و يمضي على أسلوب مذهبه *** كأنـه ( مالك ) يا حبـذا اللقــب
ألم يكن سيدا من معشر شرفت *** عجانهم للعلى يسمو بهم نسب
آثاره لم تزل في الكون مشرقة *** و من سنى شمسه قد زالت الحجب
وجاء وقت الهنا و الناس في جذل *** و ليس فيهم لفرط الوجد مكتئب
وفي الجزائر عم البشر و انتشرت *** كتب التهاني فلبى العجم والعرب
ومن قسنطينة جاء " النجاح" وفي *** أبهى صحيفته المشهورة الأرب
فضل النجاح عظيم ليس بنكره *** قراؤه ما نأوا دارا و ما قربوا
لولاه ما نهضت من(مصر)بنت حجا *** و لا أخلت (بنيل) ماؤه ضرب
من أزهري بدت تختال في حلل الــــ *** بهــا و في مجلس الآداب تتئب
فللجزائر ما تحتـــاج مــن أدب *** لقد تأتى لها ممن أتى الطلب
فكم إلى وصلــه تاقـت متيمــة *** وكم تمنت و نار الوجد تلتهب
آمالنا فيك أن تسعى بخدمتهــا *** فنحن أبنــاؤها حقا و أنت أب
وانظـر لأم تلاشى مجدها هـدرا *** فمـن لإحياء هذا المجد يرتقب
إن لم تكن همة المفتي فلا أحد *** يسعى لإحياء ما أودت به الحقب
ولا تـــدع أمــة ماتت معارفها *** على ذهاب تليد المجد تنتحب
حتى فشى الجهل في أبنائها وغدا *** يسطو عليهم و حق العلم مغتصب
فانهـض إلى رده رغمـا لمغتصـب *** حقـــا بواسطـــة التعليــم يجتلب
وبث في أمة علما تسود به *** فوصمـــة الجهل في أبنائها وصب
بنو الجزائر هم أبناؤكم أدبــــا *** لســان (تعريفكم) في مدحهم ذرب
إن لم تبرهن على ما فيك نعهده *** فكيــف يطمع في الإتيان مغترب
هذي مراتبكم تسعى لنحوكموا *** مثــل الكواكب للأفلاك تنتسـب
تبوأت منك فضلا فاستطاب لها *** نعم المناخ و نعم المنزل الرحب
فاليوم قد زنتها لما وصفت بها *** موافيا لما به في الناس تلتقب
فأقبل تهاني قلبي دمت مرتفعا *** يا من تعز به الألقاب والرتب

الحسين بن أحمد البوزيدي أحد علماء الأزهر بمصر

ولكنه رحمه الله كان يتفادى بقدر ما تسمح له الظروف مباشرة تسيير الأعمال الإدارية المرتبطة بهذه الوظيفة الشريفة و بذلك أصبح يشغل وظائف ثلاثة، و ما رأيته منذ تولي هذا المنصب وقف خطيبا على منبر الجامع – مع ملازمتي له من قبل التولية إلى وفاته – إلا مرة واحدة فقط، وكان ذلك بإلحاح منا نحن التلامذة فإننا لم نره تقدم إلى المحراب إماما إلا في هذه المرة فصلى الجمعة فقط و هكذا دأبه دائما إذا حضرت الصلاة قدم أحد تلامذته ليؤمنا جميعا في الصلاة ...

وسألته يوما هل تعرف إلى الشيخ محمد عبده واجتمع به يوم أن زار الأستاذ الإمام الجزائر سنة 1903 م... فقال لي نعم بل أنا أول جزائري تشرف بالاجتماع به والتعرف بحضرته إطلاقا، وساق لنا قصته يومئذ حينما كان قائما بمهمة إدارية بفرنسا في مكان مشرف على بحر المانش - نسيت إسمه - قال وعندما انتهيت من تأدية المأمورية التي كلفت بها من طرف الإدارة الجزائرية وأخذت في العودة إلى وطني (صيف سنة 1903م) صادفت وأنا على ظهر الباخرة شيخا وقورا تلوح عليه أنوار المعرفة في مظهر شرقي، رأيته منفردا بنفسه في ناحية من الباخرة، فقلت في نفسي هذا رجل مشرقي غريب يقصد الجزائر، فلا بد لي من أن أقوم بحق الضيافة فأذهب إليه لأزيل عنه وحشته على الأقل، فتقدمت نحوه وسلمت عليه فرد السلام فعلمت أنه مسلم وتحادثت معه في شتى المواضيع حديثا عاما إلى أن خضنا في نشأة هذا الكون العجيب وما اشتمل عليه من معجزات ... وفي أثناء الحديث سقت الآية الكريمة «..أولم ير الذين كفروا أن السموات و الأرض كانتا رتقا ففتقناهما الآية ...»  وسألت صاحبي عن فهمه لهذه الآية الشريفة ؟ ... فاندفع يتكلم عنها من نواح شتى ... إلى أن رأيته وضع كفه على أختها فضمهما إلى بعضهما ثم فصلهما و قال لي : كانتا هكذا فصارتا هكذا ...

فقلت في نفسي لعلا محمد عبده !... وقد كنا قرأنا في الجرائد وأن الأستاذ الإمام هو عازم على زيارة الجزائر وتونس في هذا الصيف، فقلت له: ألستم فلان ؟ فقال نعم، فحصل التعارف بيننا على مائدة القرآن، قال وحينما اقتربنا من الساحل وحان النزول من الباخرة اتفقنا وتواصينا على كتم هذا اللقاء وهذا التعارف الحاصل بيننا نظرا إلى ما كان يحوم حول الشيخ من الدسائس السياسية التي أثارها حوله بعض خصومه بمناسبة زيارته هذه إلى المغرب العربي حيث بعثوا برسائل من الإسكندرية ومصر إلى حكومة الجزائر يحذرونها مما عسى أن ينشره الأستاذ الإمام من الأفكار الحرة بين شعوب المغرب العربي، ولقد خشي شيخنا الحفناوي يومئذ من أن تضايقه السلطة الحاكمة بالجزائر بسبب هذا الاتصال الذي وقع بينه و بين الإمام، فآثر كل منهما كتمان هذا اللقاء حتى لا يقع شيخنا في حرج، وكان الأمر كذلك فافترقا في الميناء وكل واحد منهما نكرة من النكرات عند الآخر، ثم كان اجتماعهما ولقاؤهما بعد ذلك في المدينة فيما ظهر للناس جديدا، وفعلا ذكر لنا من كان يحضر مجالس الإمام عبده في الجزائر أنه كان محاطا برجال الجوسسة السرية حيث ما حل وارتحل، وهم يضبطون إسم كل من يلوذ بالإمام أو يتصل به، ولقد كان الشيخ عبده رحمه الله برا صادقا حين قال قولته المشهورة عنه في السياسة :... « فإن شئت أن تقول أن السياسة تضطهد الفكر أو العلم أو الدين فأنا معك من الشاهدين أعوذ بالله من السياسة».

وفيما يرجع إلى نشاطه في ميدان التأليف نراه مؤلفا بارزا وكاتبا لامعا فيما حرره في كتابه الحافل، "تعريف الخلف برجال السلف" من جمعه لتراجم طائفة من علماء الجزائر وخيرة أدبائها الأبرار الذين لولاه لما عرفهم تاريخ الجزائر ولذهبت عنا أخبارهم مع الأيام، ولولاه أيضا لضاع منا كثير من تاريخ الحركة العقلية بالجزائر في العصر الحديث.



 والكتاب مطبوع في العاصمة في جزأين سنة 1324 - 1327 هـ / 1906 - 1909م وذكر لي أنه كتبه كله وهو عن طهارة كاملة إلى حد أنه كان يقلل جهده من شرب الماء حتى لا يضطر إلى النهوض عن العمل لاسباغ الوضوء، كما أنه ترجم عن الفرنسية - بمشاركة ميرانت - كتابا في تدبير الصحة للحكيم (دركل) واسمه كتاب "الخير المنتشر في حفظ صحة البشر"، طبع بالجزائر سنة 1326 هـ / 1908 م، وكتاب "القول الصحيح في منافع التلقيح" وكتاب "الحكيم (ريسر) فيما يتعلق بتربية النحل واستثمار العسل"، أسماه "رفع المحل في تربية النحل"، وكلاهما مطبوع بالجزائر في مطبعة فونطانا بدون تاريخ، وله مقالات في الأدب والسياسة والاجتماع وبحوث علمية كثيرة صدرت بجريدتي المبشر وكوكب افريقية، و له مقطوعات شعرية نظمها في مناسبات وأغراض مختلفة.

وله من غير المطبوع كتاب "المستطاب في أقسام الخطاب" و"غوص الفكر في حروف المعاني" وهو رجز مشروح بقلمه أسماه "صوغ الدرر على غوص الفكر" و"أرجوزة" له أخرى نظمها في جغرافية ابن خلدون و بحثه حول الأقاليم السبعة الخ...

وهذه قطعة نثرية موجزة نسوقها كنموذج لإنشائه العلمي الرشيق و أسلوبه في بحثه الفلسفي الدقيق، فلقد جاء مستدلا فيها على واجب الوجود سبحانه بطريقة منطقية عجيبة مرتكزا فيها على الظاهرة الطبيعية: ( الرعد ) ومنطلقا من صوته فقال:

كون الرعد اسما لمسمى موجود أمر يعترف به كل ذي سمع حتى الحيوان البهيم، ولكن ما هو هذا المسمى الذي لا شك في وجوده وله في كل لغة اسم معلوم ؟ ... فهل هو الصوت القوي ؟ أو هناك مصوت هو صاحب الصوت ؟ ... لا أحد من أهل العقول يسلم بأن الصوت يصوت، فلزم أن هناك مصوت، وحينئذ يقال ما هو هذا الصوت ؟ ... قال أهل الوقوف عند الحس هو اصطكاك السحاب، وقال أهل الكهرباء هو اجتماع موجبها بسالبها، و قال أهل الدين هو ملك أي جسم نوراني عاقل لا تدركه الحواس يسوق السحاب بسوطه وهو البرق، ويزجره بصوته وهو الرعد.

إذا تأملنا في الصوت وجدناه دليل الحركة مباشرة و دليل الحياة والحرارة والنور بواسطتها، إذ لا وجود للحركة بدون صوت، ولا صوت بدون حياة، ولا حياة بدون حرارة، ولا حرارة بدون نور، فالنور دليل الحرارة، والحرارة دليل الصوت، والصوت دليل الحركة، والحركة دليل الحياة، والحياة دليل الوجود، والموجود دليل الموجد - بفتح الجيم - والموجد دليل الموجد – بالكسر- والموجد هو غير الموجد من كل وجه، فليتأمل وليعلم أن الرعد صوت حركة حار مستتر حي هو الذي نسميه نحن ملكا، وهو الاسم الديني ولا علينا في من سماه بغير ذلك من الألفاظ الاصطلاحية التي ليس تحتها من المسميات إلا ما لا طاقة للعلم بتفسيرها... منقولا من خطه.

وخلاصة ما يقال عن أخلاقه الدمثة وسجاياه الكريمة رحمه الله فكأنما هي سبكت من الذهب المصفى نبلا وكرما وأريحية ومروءة ... وما رئي يوما محتدما أو غضبانا فكان لا يعرف للغضب ولا للعتاب أو التعنيف لفظا ولا معنى، وكان فيه من خصال النبوة كما يقول ابن عباس رضي الله عنه - حسبما جاء في الموطأ : القصد و التؤدة وحسن السمت ...

وأما عن خلقته الطبيعية وصفاته الذاتية فإنه كان تام الخلق قوي البنية أبيض البشرة، ريان المفاصل جميل الشيبة، من أجمل الناس صورة وأكملهم خلقة، وآنقهم شكلا وأحسنهم هيئة و سمتا، و في آخر حياته أبتلي رحمه الله بما أبتلي به كثير من العلماء الأعلام من مرض الشلل فهذا الجاحظ، و هذا ابن دريد، وهذا ابن عبد ربه، وهذا ابن أخته العلامة محمد المكي ابن عزوز، وهذا ناصيف اليازجي ... كلهم نراه قد شكى هذا الداء العضال داء الفالج أو الشلل و كذلك وقع لشيخنا رحمه الله، و بعد ما أصابه الداء وايس من العلاج ارتحل من العاصمة إلى مسقط رأسه بقرية ( الديس ) وهناك قضى بقية أيام حياته سقيما صابرا إلى أن توفاه الله الجمعة 21 ذي الحجة سنة 1360 هـ / 10 جانفي 1942 م ودفن إلى جانب أبويه بمقبرة الديس في بوسعادة تغمدهم الله برحمته.


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) تعريف الخلف برجال السلف ج 2 ص 113 الجزائر 324هـ/1906م
(2) تعريف الخلف برجال السلف ج 2 ص 401

للترجمة مصادرها ومراجعها.

4 التعليقات :

بدر الدين بن عيسى يقول...

جزاكم الله من لدنه الخير كله، وبارك فيكم وفي جهودكم
جعل الله هذا العمل في ميزان حسناتكم
اللهم آمين

غير معرف يقول...

جزاكم الله خيرا وبارك الله في سعيكم السلام عليكم و رحمة الله و ازكى الصلاة على سيدنا محمد واهله وصحبه اجمعين

HOMSI AHMED يقول...

جزاكم الله خيرا وبارك الله في سعيكم

yassine يقول...

اريد نسخة من الكتاب المفضل للشيخ الحفناوي

إرسال تعليق

.
مدونة برج بن عزوز © 2010 | تصميم و تطوير | صلاح |