من الأدعية المأثورة عن سيدي محمد بن عزوز البرجي رضي الله عنه:   اللهم ارحمني إذا وَاراني التُراب، ووادعنا الأحباب، وفَارقنا النَّعيم، وانقطع النَّسيم، اللهم ارحمني إذا نُسي اسمي وبُلي جسمي واندرس قبري وانقطع ذِكري ولم يَذكرني ذَاكر ولم يَزرني زَائر، اللهم ارحمني يوم تُبلى السرائر وتُبدى الضمائر وتُنصب الموازين وتُنشر الدواوين، اللهم ارحمني إذا انفرد الفريقان فريق في الجنة وفريق في السعير، فاجعلني يا رب من أهل الجنة ولا تجعلني من أهل السعير، اللهم لا تجعل عيشي كدا ولا دُعائي ردا ولا تجعلني لغيرك عبدا إني لا أقول لك ضدا ولا شريكا وندا، اللهم اجعلني من أعظم عبادك عندك حظا ونصيبا من كل خير تقسمه في هذا اليوم وفيما بعده من نور تهدي به أو رحمة تنشرها أو رزق تبسطه أو ضر تكشفه أو فتنة تصرفها أو معافاة تمن بها، برحمتك إنك على كل شي قدير، أصبحنا وأصبح كل شيء والملك لله، والحمد لله، ولا اله الا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت، وهو على كل شيء قدير

ترجمة العلامة الأزهري أرزقي الشرفاوي (1880م-1945م)

بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيّدنا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين
 



- توطئة:

من علماء الجزائر كانت حياته كلها كفاحا متواصلا و جهادا مضنيا في سبيل طلب العلم و المعرفة و الدفاع عن دين الله تعالى و نشر الإسلام الصحيح، نذر حياته لخدمة الوطن بالفكر والقلم واللسان فكان قبسا من أقباس الهداية التي أضاءت الطريق للأجيال نحو حياة العزة و الكرامة.

- اسمه و مولده و أسرته:

هو محمد الرزقي بن محمد وعلي، أمه ثسعذيث، ينحدر من عائلة ابن القاضي التي كانت تحكم إمارة كوكو بجبال جرجرة.

و لد سنة 1302 هـ / 1880 م بقرية "شرفاء بهلول" التي ينسب إليها، و هي قرية تقع على بعد ثلاثة أميال من مدينة عزازقة، ولاية تيزي وزو، وهي قرية الولي الصالح: "بهلول بن عاصم"، و بها زاوية عامرة تنسب إلى هذا الولي، تعنى بتحفيظ القرآن الكريم و تدريس الفقه و علوم اللسان ...

ولد لأسرة تمتهن الفلاحة، لم يعرف عنها حظ كبير من الغنى والسعة لكنها كانت تهتم بتربية نشئها تربية إسلامية أساسها حفظ القرآن الكريم، و هو ما تسنى له لما بلغ سن التمييز، وكان ذلك في زاوية شرفاء بهلول، انتقل بعدها إلى زاوية أحمد الإدريسي البجائي بإيلولة فانتظم في سلك طلبتها وأتقن القرآن الكريم حفظا ورسما وتجويدا، ثم انتقل إلى زاوية سيدي عمرو بن الحاج بقرية بني يجر، فتعلم فيها النحو و الفقه و التوحيد و مبادئ اللغة العربية والحساب.

انتقل بعدها إلى الجزائر العاصمة ليدرس بالمدرسة الثعالبية التي كان فيها العالم الجليل الشيخ عبد القادر المجاوي مدرسا، فواظب الشيخ الشرفاوي على دروسه، كما درس عليه سنتين خارج المدرسة، و قد نال إعجاب شيخه إذ كان مثالا للجد و النشاط و السلوك القويم، ما جعل شيخه يتنبأ له بمستقبل علمي زاهر.

- رحلته إلى مصر:

تأثر الشيخ الشرفاوي أيما تأثر بما كان يسمعه من ثناء أساتذته عن فضل الأزهر الشريف ومشاهير أهل العلم الذين تخرجوا منه، فتمنى أن يلتحق به ليتخرج منه و يحرز شهادة العالمية، وهو الأمر الذي شجعه عليه الشيخ المجاوي، و مما أوصاه به في هذا الصدد:

"أوصيك بوصية أجمع لك فيها علم العلماء و حكمة الحكماء، فعض عليها بالنواجذ: أحسن الظن بالله و اتقه في السر و العلانية، و تسلح بالصبر، فأنت المنتصر، والرجل يصهره القدر في بوتقة المحن و الخطوب، ولكنه ينكشف عن ذهب خالص"[1]، ثم تلا قوله تعالى: "و من يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغما كثيرا و سعة و من يخرج من بيته مهاجرا إلى الله و رسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله و كان الله غفورا رحيما"[2].

سافر الشيخ الشرفاوي على ظهر باخرة معدة لنقل الحيوانات في رحلة شاقة و مضنية كاد يهلك فيها، و لم يصل إلى الإسكندرية إلا بعد أن لاقى من المصاعب ما أنهك قواه و ألزمه الفراش أياما.

انخرط الشيخ الشرفاوي في الأزهر الشريف وبدأ الدراسة بعزيمة قوية و تصميم على المضي قدما في الطريق الذي رسمه لنفسه مهما كان شاقا و مضنيا.

التزم الشيخ الشرفاوي بعهد قطعه على نفسه بأن لا يكاتب أهله ولا يقرأ رسالة ترد عليه منهم حتى ينتهي من دراسته، كان ذلك خشية أن يكون في تلك الرسائل ما يثير حنينه إليهم، و يشغله عن مواصلة الدراسة، فقضى قرابة أربعة عشر سنة دون أن يقرأ رسالة واحدة من الرسائل التي وردت عليه من الجزائر.

و لم يفتح رزمة الرسائل التي اجتمعت لديه طيلة كل هذه السنوات إلا عندما أنهى دراسته وأحرز على شهادة العالمية، و كم كان وقع المصيبة شديدا عليه لما وجد إحدى تلك الرسائل تنعي إليه أباه، وأخرى تنعي إليه والدته و ثالثة تنعي أخته، و رابعة تنعي إخوته الثلاثة، وهو الذي تردد طويلا في قراءة تلك الرسائل من عدمه خوفا من الصدمة النفسية لكنه في الأخير استجمع قواه و قرر قراءتها فكانت الفاجعة، فهؤلاء الأهل و إن ماتوا في فترات متقاربة إلا أنهم بالنسبة له ماتوا في وقت واحد.

- شيوخ الشيخ الشرفاوي في الأزهر الشريف:

درس الشيخ الشرفاوي على يد ثلة من علماء الأزهر، وقد تأثر باثنين منهم أشد التأثر، و هما:

1.الإمام الفقيه العالم الموسوعي الشيخ: محمد بخيت المطيعي الحنفي الذي كان يلقب بالأستاذ الأكبر (1271 هـ/ 1354 هـ )، قضى ما يزيد عن ستين عاما في التدريس، شغل منصب قاضي مصر، ثم مفتيها.

و من مناقبه التي يذكرها الشيخ الشرفاوي كثيرا في كل مرة يذكره فيها: سعة علمه، عمق إدراكه، بعد نظره وتفانيه في خدمة العلم و محبيه، وهو الذي كان يقول أنه أخذ عن شيخه زيادة عن العلم حسن استغلال الوقت والحرص عليه ... فقد كان يرى في شيخه أنموذجا حيا لتمديد الوقت و تطويله وإن كان قصيرا، لقد تأثر الشيخ الشرفاوي بالشيخ بخيت من حيث مناحيه الفكرية و طريقته في البحث و المناظرة وتأصيل القواعد وتفريع الأصول واستنباط الأحكام من الأدلة الشرعية و نظرته إلى ضعف المسلمين و انحطاطهم و علل تأخرهم عن الركب.
 
 


- من مؤلفاته:

- إرشاد الأمة إلى أحكام أهل الذمة.
- أحسن الكلام فيما يتعلق بالسنة والبدع من الأحكام.
- حسن البيان في دفع ما ورد من الشبه على القرآن.
- الكلمات الحسان في الأحرف السبعة وجمع القرآن.
- القول المفيد في علم التوحيد.

و غيرها ...

2.العلامة الأستاذ: يوسف الدجوي ( 1870م/ 1946 م ) من هيئة كبار علماء الأزهر، و المحرر في مجلة نور الإسلام، كف بصره و هو صغير، و رغم ذلك فقد جد في طلب العلوم و المعارف حتى صار قمة شامخة في المعقولات و المنقولات، من مؤلفاته:

- رسائل السلام و وسائل الإسلام.
- الجواب المنيف في الرد على مدعي التحريف في الكتاب الشريف.
- تنبيه المؤمنين لمحاسن الدين.
- الرد على كتاب الإسلام و أصول الحكم لمصطفى عبد الرزاق.

و مما كان يرويه عنه الشيخ الشرفاوي حرصه الشديد على التحدث بالعربية الفصحى، فالأمة العربية فريدة بشخصيتها التي لا سبيل إلى التعرف عليها إلا بواسطة هذه اللغة، و أن دراستها خير السبل لمعرفة الشخصية العربية، والتمييز بين الأصيل و الدخيل.

لقد تأثر الشيخ الشرفاوي بالشيخ الدجوي من حيث نزعته السلفية في العقائد ثم التنسك و التصوف، كما تأثر بأسلوبه في الدرس و المحاضرة، كما أخذ عنه طريقته في الدعوة إلى الله تعالى و منهجه في التفكير في أحوال المسلمين وأوضاعهم.[3]

- إحراز الشيخ الشرفاوي على شهادة العالمية:

بعد كد و كدح في سبيل العلم، و بعد مكابدة المتاعب و المشاق نال الشيخ الشرفاوي شهادة العالمية وأجيز إجازة عامة في التدريس و التعليم سنة: 1339هـ الموافق لـ: 1921م و هو النجاح الذي احتفى به الطلبة المغاربة و فرحوا به نظرا لما عرف عن الشيخ الشرفاوي من الجد والنشاط والمعاناة والحرمان وما تحلى به من الأخلاق الحميدة.

بعد تخرجه زاول الشيخ الشرفاوي التدريس في الأزهر، و أخذ يبحث و يكتب و يفيد بفكره و قلمه طوال أحد عشر سنة، كما كان يتردد على المكتبات العامة بالقاهرة، يعكف على المطالعة و دراسة التراث الإسلامي والعربي، ويشارك بين الفينة و الأخرى في كتابة مقالات في مجلة الأزهر وغيرها.

- عودته إلى الجزائر:

بعد أن أدى مناسك الحج سنة: 1351هـ/ 1933م هاجت أشواقه إلى الجزائر و حن إليها، إنه تحول مفاجئ لم يعلله الشيخ الشرفاوي بأية علة.

صارح الشيخ الشرفاوي زوجته و أطلعها برغبته في العودة إلى الوطن و خيرها بين مجيئها معه و بقائها مع عائلتها، و اختارت مصاحبته لكن ضغوط عائلتها حالت دون ذلك، فطلقها الشيخ الشرفاوي وهو غير راض بذلك.

أرسل الشيخ الشرفاوي رسالة إلى أهله يعلمهم باعتزامه العودة إلى الجزائر بصفه نهائية، فكان ذلك بالنسبة لهم وسام شرفهم و عنوان مجدهم، فجمعوا له مبلغا من المال و بعثوا به إليه ليستعين به على عودته.

ما إن وصلت الباخرة التي أقلت الشيخ الشرفاوي، وما إن نزل بميناء العاصمة حتى وجد في استقباله جمعا غفيرا من العلماء و طلبة العلم والأعيان والأقارب في مقدمتهم أحمد بن زكري مدير المدرسة الثعالبية والشيخ الطيب وعماره شيخ زاوية احمد الإدريسي البجائي.

أقام الشيخ الشرفاوي بفندق "قصر الشتاء" بساحة الشهداء، و هناك اجتمع بالعالمين الجليلين الأستاذ عبد الحميد بن باديس و الشيخ الطيب العقبي، وهناك تحدث الشيوخ حول الحركة الإصلاحية بالجزائر ووسائل تحرير العقول من قيود الجهل و الخروج بها إلى نور العلم و المعرفة وما ينبغي اتخاذه في المستقبل حتى تعم النهضة الإصلاحية كافة أرجاء الوطن.

عرض الإمام عبد الحميد بن باديس على الشيخ الشرفاوي العمل معه في صف جمعية العلماء المسلمين الجزائريين والإقامة في العاصمة حتى يتسنى له القيام بواجبه في الإصلاح والتعليم، لكنه اعتذر له، وأكد له بأنه سينهض بواجبه الإصلاحي على أكمل وجه، لكن ذلك سيكون في إحدى المناطق الريفية المحرومة من نور العلم والتي تسود بها البدع و الخرافات و تعاني من دسائس المبشرين ...

واكتفى الشيخ الشرفاوي بإمداد صحف جمعية العلماء بالمقالات و البحوث، و لقاء زملائه العلماء من حين لأخر للتشاور و تبادل الرأي.

قضى الشيخ الشرفاوي بالعاصمة بضعة أيام، ثم اصطحبه وفد من قرية شرفاء بهلول إلى مسقط رأسه وهناك استقبل بحفاوة، و سكن بزاوية القرية إلى أن شيد منزله.

- تدريس الشيخ الشرفاوي بالمعهد اليلولي:

اختار الشيخ الشرفاوي التدريس بالمعهد اليلولي لمميزاته الكثيرة و لكثرة طلبته واستقلال نظامه وحرية أساتذته في التعليم ...

بدأ الشيخ التدريس بالمعهد بعد بضعة أشهر من عودته من مصر، وقد بلغ الأمر ببعض الطلبة القدامى الذين أنهوا دراستهم و أخذوا يباشرون أعمالا مختلفة في مناطقهم -بعد أن سمعوا به- أن عادوا إلى المعهد للدراسة على يد الشيخ.

وكانت الدروس التي برمجها في تلك السنة و التي ظل على اغلبها طوال إقامته بالمعهد لمدة عشر سنين هي:

- التفسير و كان يعتمد على تفسير "روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني" لمؤلِّفه محمود الآلوسي البغدادي، إذ رأى فيه تفسيراً جامعاً لآراء السلف رواية ودراية، ومشتملاً على أقوال الخلف بكل أمانة وعناية.

- الحديث الشريف و كان يدرسه من "سبل السلام، شرح بلوغ المرام من جمع أدلة الأحكام" لمحمد بن إسماعيل الصنعاني ، (ت 1182هـ).

- الفقه "بمتن الشيخ خليل" و "شرح الخرشي": و الذي ختمه الشيخ الشرفاوي يوم الأحد 14 ربيع الثاني 1352هـ الموافق لـ: 18 جوان 1938م، و الذي أقام المعهد حفلا تاريخيا بمناسبته.

- علوم اللغة العربية من بلاغة و نحو وصرف.
- الرياضيات و الحساب و المنطق و التاريخ.

لقد كان الشيخ يقوم بهذه الدروس كلها وحده، فيبدأ بالحديث إثر صلاة الصبح، و ينتهي بعد صلاة العشاء بدرس الفقه، تتخللها استقبالات السائلين و المفتين من الطلبة و المواطنين.

عرف عن الشيخ الشرفاوي انضباطه و حرصه على أوقات الدروس، فكثيرا ما يزوره شخص ذو قيمة علمية أو مكانة اجتماعية فيترك الشيخ للزائر من يؤنسه و يستعد هو للدرس أو يدخل إلى القاعة.

و قد ذكر الشيخ المهدي البوعبدلى – رحمه الله – أنه جاءه زائرا مع أحد القضاة و كان وقت الدرس قد آن، فرحب بهما ثم اعتذر منهما و أقبل على درسه تاركا معهما احد الطلبة الكبار.

كان الشيخ الشرفاوي يندد بالاستعمار الفرنسي و يهاجم أذنابه، فكان مما شاع عنه:

"إنني لا أخاف من المستعمرين الفرنسيي كما أخاف من هؤلاء الخونة الذين باعوا دينهم ووطنهم بأبخس الأثمان"

و قوله أيضا: "إن الاستعمار مرض عضال لا دواء له إلا استئصاله، و قد يصعب على من تعود عليه أن يسمع أن هذا المرض العضال سيزول و تشفى منه الجزائر، ولكن من يعيش منكم سيرى".

و قوله أيضا: "ليس هناك طريق إلى الحرية سوى القوة و ليس هناك طريق إلى الحياة سوى الموت و لن يريحنا من الاستعمار إلا الانفجار".

جعلت مواقفه هذه السلطات الفرنسية المحلية تضيق الخناق عليه، لكن في كل مرة كان صديقه الأستاذ أحمد بن زكري – رحمه الله – مدير المدرسة الثعالبية، يدافع عنه لما له من مكانة عند السلطات الفرنسية نظرا للمنصب المرموق والمنزلة العلمية اللتان يتمتع بهما.

و مما يذكر عنه أن وفدا متكون من محافظ ولاية تيزي وزو وأعوانه قاموا بزيارة المعهد اليلولي في أوائل الأربعينات، و طلب منه أن يعد كلمة مكتوبة ترحب بالضيوف و تنوه بفضائل الحاكم على المعهد: فيها اعتراف بالجميل و اتقاء للشر و ضمان لقضاء مطالب المعهد لدى الدولة الفرنسية في المستقبل، فما كان من الشيخ إلا أن ألقى كلمة ارتجالية رحب فيها بالحاكم و رفقائه، و تحدث فيها عن عظمة الإسلام و عن الحضارة الإسلامية و ذكر أن الإنسان لم يعرف العدالة و المساواة الحقة إلا في الإسلام و أن شمسه ستظل تنير الكون لأنها شمس الله، مستشهدا بقوله تعالى: "إنا نحن نزلنا الذكر و إنا له لحافظون".، فتم للشيخ ما أراده من ترحيب مفروض عليه بكلمة ارتجالية انتهزها فرصة للإشادة بالإسلام و بعظمته و بأنه الدين الوحيد الذي علم الإنسانية معاني الحرية و العدل و المساواة.

- مؤلفاته:

ألف الشيخ الشرفاوي كتبا قيمة في مختلف الفنون، لكن معظمها ضاع خلال الثورة التحريرية، فمنها ما أتلفه الجنود الفرنسيون و منها ما نهبه الناهبون، و في ما يلي تآليفه:

1.كتاب "الخلاصة المختارة في فضلاء زواوة":

و هو كتاب ضم تراجم لعلماء زواوة و مشاهيرها، رتب المؤلف التراجم على حروف الهجاء و أورد فيها أخبارا ونوادر و مواقف.

2.كتاب "إرشاد الطلاب إلى ما في الآيات من الإعراب":

وهو كتاب يعنى بالقرآن الكريم من حيث اللغة و الإعراب، فهو يشرح الكلمة الغامضة ثم يعربها أو يعرب كامل الجملة مع إيراد ما يوافق ذلك من كلام العرب الفصيح ...

3.كتاب "الدروس الإنشائية لطلبة زوايا الزواوية":

و هو كتاب ألفه الشيخ الشرفاوي من ما كتبه من الدروس حين تلقى هذا العلم عن مشايخه بالأزهر الشريف مضافا إليها الدروس التي ألقاها على طلبته بالمعهد اليلولي، عرف فيه الإنشاء و تحدث عن الأسلوب الإنشائي و الأغراض الكلامية و الشعر و النثر و ألحقه مجموعة من رسائل البلغاء لينسخ القارئ على منوالها في الكتابة.

4.كتاب "بغية الطلاب في علم الآداب"

هو كتاب يعرف الأدب بأنه ثمرة من ثمار قريحة الإنسان و عقله و نفسه، كما تحدث فيه عن تأثير البيئة في الأديب كما تحدث عن عصور الأدب العربي و قدم رسومها و حدودها ...

5."الرسالة الفتحية في الأعمال الجيبية":

و هي رسالة في العمل بالربع المجيب، لم ترد تفاصيل عنه لأن الكتاب مفقود.

- مقالاته:

يتعذر استقصاء ما نشره الشيخ الشرفاوي في الصحف المصرية أو الجزائرية و ذلك لقلة المراجع، و نقتصر في هذا المقام على ذكر البعض منها:

-جريدة الصديق: كتب فيها عدة مقالات تحت عنوان: "أسباب الرقي"، إحداها منشور بتاريخ 25 جويلية 1921م.

-جريدة البصائر: نشر فيها سلسلة من المقالات حول إثبات هلال رمضان بالطريقتين الشرعية و الفلكية سنة 1936 م.

كما نشر بها سلسلة من المقالات اختار لها عنوانا هذه الآية الكريمة من قوله تعالى: "ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ..."[4] النحل 125، كان ذلك سنة 1938م، بين فيها شروط الدعوة، أقسام الدعوة، طرق الدعوة ...

-جريدة الثبات و جريدة الأمة: كتب فيها سلسلة من المقالات في الإصلاح الديني تحت عنوان: "كيف يكون العالم الديني".

- شخصيته و صفاته:

كان الشيخ الشرفاوي قوي العقيدة، صادق الإيمان، رزين الطبع ، عرف بعزيمته و صموده و طموحه الذي يقف به في وجه التحديات غير مبال بما قد ينجر عنها من هزات و رجات، وهو الذي كانت طفولته سلسلة متصلة الحلقات من متاعب و مشاق وحرمان، لم يسلم منها حتى بعد عودته إلى الجزائر واستقراره بمسقط رأسه بين أهله، فقد كان أعداء العلم و الإصلاح يكدرون عليه صفو حياته بجحودهم و تنكرهم و إعراضهم ...

يراه من لا يعرفه فيهابه للوهلة الأولى لما يوحي به مظهره من المهابة و الجلال، لكن ما إن يفاتحه بالحديث حتى يجده طيب النفس و الروح، رقيق المزاج، مرهف الحس و متدفق الشعور.

- من أقوال الشيخ:

من الأقوال التي رويت عن الشيخ الشرفاوي و حفظت عنه ما يلي، نوردها كما صاغ الأستاذ: محمد الصالح صديق[5] معانيها بالعربية:

"دعائم الحياة ثلاث: نفس مطمئنة و معيشة ميسرة و سمعة طيبة".

"يمكن للطبيعة أن تقدم إلى أكثر الناس حظا ما يحبه و يتمناه إلا السعادة فإنها لا تعطى و لا توهب لأنها تنبعث من النفس".

"... التشاؤم موت قبل الأوان".

"الأيام صحائف الآجال، فالعاقل المحظوظ من خلد فيها أجمل الآثار".

"القومية الصحيحة الراقية أن يكون القوم قد حصلوا على قسط وافر من أسباب الرقي المادي و الروحي".

"قليل جدا من الناس من يعرفون لماذا يعيشون و لكنهم جميعا يحبون البقاء".

"عمر الإنسان بما قدم لا بما عاش".

"العاقل من لا يجالس إلا من يجانس".

- وفاته:
 


توفي رحمه الله بعد زوال يوم الأربعاء 11 محرم 1364 هـ، و شيعت جنازته في مشهد رهيب حضره العلماء والأعيان و الطلبة وجمهور كبير من مختلف الشرائح، و دفن بجوار بيته بمسقط رأسه بشرفاء بهلول.

رحم الله الشيخ الرزقي الشرفاوي و أسكنه فسيح جناته.

- هوامش:

[1] " الشيخ الرزقي الشرفاوي حياة و آثار ، شهادات و مواقف "، الأستاذ: محمد الصالح الصديق - دار الأمة- الطبعة الأولى 1998م، ص 18.
[2] سورة النساء/ 100.
[3] الأستاذ: محمد الصالح الصديق/ المرجع السابق، ص 26-27.
[4] سورة النحل/ الآية 125.
[5] الأستاذ: محمد الصالح الصديق/ المرجع السابق، ص 80-81.

- مصدر الترجمة:

نقلا عن موقع العلامة الجزائري الدكتور سعيد بويزري.

تكملة الموضوع

حمل كتاب العقيدة الوسطى وشرحها للإمام محمد بن يوسف السنوسي التلمساني

بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين



- كتاب: العقيدة الوسطى وشرحها.
- تصنيف: الإمام  أبو عبد الله محمد بن يوسف السنوسي التلمساني.
- تحقيق: السيد يوسف أحمد.
- دار النشر: دار الكتب العلمية- بيروت، لبنان.
- عدد الصفات: 377.

رابط التحميل

هنــا

تعريف مختصر للكتاب:

كتاب يتضمن عقيدة أهل السنة والجماعة وضعها العلامة سيدي "أبو عبد الله محمد بن يوسف السنوسي التلمساني" فيها من تحقيق البراهين ما يجلو النفوس لفهم الحق، وفيها تنبيهات على جزئيات من العقائد مما لا يوجد في كثير من المطولات والمختصرات وقد اشتمل على أبواب منها:

 - باب الدليل على حدوث العالم.
 - باب في إقامة البرهان القاطع على وجود الله.
 - باب الدليل على وجوب قدمه عز وجل.
 - باب الدليل على وجوب قيامه بنفسه.
 - باب الدليل على وجوب صفات المعاني.
 - باب ما يجوز في حقه.
 - باب الدليل على نبوة رسالة صلوات الله عليهم.
 وغير ذلك...

ترجمة موجزة للمصنف:

هو الشيخ الفقيه الإمام العالم العلامة الولي الصالح العارف المحقق الرباني صاحب الإشارات والعبارات السنية والحكم اللقمانية والحقائق القدسية والأنوار المحمدية والأسرار الربانية إمام السالكين حامل في زمانه لواء العارفين سيدي أبو عبد الله محمد بن يوسف الحسني السنوسي نسبة إلى قبيلة بني سنوس من قبائل تلمسان وتعزى إلى جبل هناك يسمى أسنوس، التحق بالأزهر ثم غادر القاهرة إلى مكة والتقى بأستاذه أحمد بن إدريس وأخذ عنه التصوف.

قال في كشف الظنون: "محمد السيّد بن يوسف بن الحسين بن شعيب السنوسي الإمام أبو عبد الله التلمساني الشريف الحسني المتوفى (895هـ) له تصانيف: أم البراهين في العقائد، توحيد أهل العرفان، معرفة الله ورسله بالدليل والبرهان، شرح أم البراهين، العقد الفريد في حل مشكلة التوحيد وهو شرح لامية الجزائري في الكلام، وعقيدة أهل التوحيد المخرجة من ظلمات الجهل وزيغ أهل التقليد المرغمة أنف كل مبتدع عنيد، عمدة أهل التوفيق والتسديد في شرح عقيدة التوحيد، الحقائق في تعريف مصطلحات علماء الكلام، كتاب المنهج السديد في شرح كفاية المريد للجزائري، نصرة الفقير في الرد على أبي الحسن الصغير" اهـ.

وقال في معجم المؤلفين (12/132): "محمد بن يوسف بن عمر بن شعيب السنوسي التلمساني الحسني أبو عبد الله، محدث متكلم منطقي مقرئ، مشارك في بعض العلوم.

توفي بتلمسان، من تصانيفه الكثيرة: شرح ايساغوجي في المنطق، وشرح قصيدة الحباك في الإسطرلاب، ومصنف في مناقب الأربعة، وأم البراهين في العقائد، وحاشية على صحيح مسلم" أهـ.


تكملة الموضوع

حمل كتاب تحفة الأخيار فيما يتعلق بالكسب والاختيار


بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما.


- كتاب: تحفة الأخيار فيما يتعلق بالكسب والاختيار.
- تصنيف: العلامة سيدي عبد القادر بن عبد الله المجاوي التلمساني.
- مطبعة: مطبعة بيير فونطانة الشرقية في الجزائر – سنة: 1905م / 1322هـ.
 

رابط التحميل

هنـــا

- جاء في مقدمته:

"بسم الله الرحمن الرحيم نحمد من بتوفيقه يتنعم في رياض التحقيق، وبتسديده يجتنى ثمار التحرير والتدقيق، وبهدايته تنجلي ظلمات الخطأ عن نور الصواب، وبعنايته تستسهل الأمور الصعاب، حمدا يجمع للعبد في الدارين نعما، ويطرح عنه به نقما، فسبحانه من كريم إذا أحب عبدا رفع عنه الحجاب، وأفاض عليه من بحر كرمه ما يشاء بغير حساب، ونصلي على من أُرسل بالدين القويم وعلى آله وأصحابه وكل من له قلب سليم، وبعد: فإنه لما افترقت الأمة فرقا ثلاثة أهل السنة وقدرية وجبرية وكل فرقة تشنع على مقابلتها، وتروم ردها إلى طريقتها واختلفت آراء أهل السنة في معنى الكسب وتنازعوا فيما بينهم بالإيجاب والسلب ظهر لي أن أجمع جميع هذه الأقوال، ليزول بحوله تعالى التلبيس والإشكال في رسالة محتوية على مقدمة وستة فصول وخاتمة، طالبا منه تعالى أن يجعل منفعتها دائمة وسميتها (( تحفة الأخيار فيما يتعلق بالكسب والاختيار)) ومنه تعلى أسال الإعانة على التمام إنه ولي الجود والإكرام".

- ويقول رضي الله عنه في آخره:

"...وبالجملة فإنما الواجب علينا الإتباع لطريقة المعصوم المطاع والتمسك بقوله الفصل اللهم ثبتنا على شريعته وحققنا بحقيقته وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين وهذا آخر ما أردنا جمعه وإيراده والحمد لله أولا وآخرا والصلاة والسلام على المصطفى وإمام أهل الصفا وأهله وأتباعه وكل من صفا، ووقع الفراغ من تبييض هذه العجالة في فاتح أول الربيعين عام 1322من الهجرة النبوية على صاحبها أفصل الصلاة وأزكى التحية." أهـ.

- ترجمة المؤلف:

لقد سبق وان أفردنا له ترجمة وإن كانت موجزة ومختصرة من كتاب تعريف الخلف برجال السلف لسيدي أبي القاسم الحفناوي، وهي مستقاة من آخر ترجمة والد المصنف سيدي عبد الكريم المجاوي، حيث ذكر فيها نبذة يسيرة لصاحب كتابنا اليوم سيدي عبد القادر المجاوي.

إقرأ المزيد

عبد القادر المجاوي (( 1264- 1332هـ)) – ((1848م – 1913م)).


مساره:

ولد الشيخ عبد القادر المجاوي في تلمسان في عام 1266 ه/ 1848 م. وهو ينتمي إلى أسرة تلمسانية عريقة ساهمت في نشر العلم وممارسة القضاء. فقد تقلد والده محمد بن عبد الكريم المجاوي منصب القضاء بهذه هذه المدينة لمدة خمسة وعشرين عاما فنشأ ابنه نشأة علمية، ثم انتقل إلى المغرب لما عيّن والده قاضيا بطنجة. فدرس بتطوان ثم بجامع القرويين بفاس على مجموعة من العلماء المعروفين أمثال: الشيخ صالح الشاوي، الشيخ أحمد بن سودة، الشيخ جعفر الكتاني...الخ.

وفي عام 1869 عاد إلى بلده الجزائر واستقر أولا في قسنطينة عاصمة الشرق الجزائري، ودرس في مساجدها. وفي سنة 1877 تولى تدريس العلوم الشرعية واللغة العربية في المدرسة الكتانية التي أسسها صالح باي في عام 1778.

وانتشرت بسرعة شهرته العلمية في البلاد فأقبل على دروسه طلاب العلم من كل أرجاء الوطن. وكان من أبرز تلامذته عالمان سيكون لهما شأن علمي عظيم فيما بعد. فالأول هو حمدان الونيسي المدرس بالمسجد النبوي بعد هجرته إلى الحجاز. وهو كذلك أستاذ الشيخ عبد الحميد بن باديس.

أما العالم الثاني فهو المولود بن الموهوب المدرس بالمدرسة الكتانية وأستاذ المفكر مالك بن نبي (1905-1973) الذي تحدث عنه كثيرا في كتابه "مذكرات شاهد القرن".[1]وقد لازم الشيخ ابن الموهوب أستاذه لمدة 12 سنة ثم أجازه وسمح له بالتدريس والوعظ. كما ساعده على الانضمام إلى المدرسة الكتانية ليشتغل بها مدرسا للفقه والأدب العربي. وأصبح فيما بعد (1908) مفتيا لقسنطينة.[2]

وفي عام 1898 انتقل إلى الجزائر العاصمة للتدريس بمدرسة الجزائر العليا (الثعالبية) المكلفة بتكوين القضاة والمترجمين الجزائريين. ثم توسع نشاطه بداية من سنة 1908 خارج المدرسة الثعالبية للدعوة والإرشاد فعمل إماما واعظا في مسجد سيدي رمضان ومسجد سيدي محمد الشريف.

الشيخ المجاوي مربيا
:

قدم الشيخ المجاوي نصائح مفيدة لطلبة العلم في كتابه "إرشاد المتعلمين" وليس للمعلمين. فهو يجيب عن السؤال: ماذا ندرس؟ ولا يجيب عن السؤال: كيف ندرّس؟ ومحاولته هي حوصلة لمجموعة العلوم التي يجب أن يتعلمها الإنسان وهو يشبه في ذلك كل العلماء المسلمين الذين درسوا هذا الموضوع فيما يمكن أن نسميه بعلم إحصاء العلوم. وهو متأثر كثيرا بمنهج ابن خلدون في كتابه المعروف: "المقدمة".

ويقسم الشيخ المجاوي العلوم إلى 3 أنواع: علوم اللسان (ص33-41)، علوم الأديان (ص42-45)، علوم الأبدان (ص 46-49). ففي القسم الأول يركز على تعلم اللغة. واللغة المقصودة هنا هي العربية. فهي في نظره « أقدم لغات العالم المستعملة الآن أوسعها، وفضلها على غيرها يشهد به كل من يعرفها ولو كان أعجميا، فهي أفصح اللغات منطقا وبيانا وأكثرها تصرفا في أساليب الكلام وأقبلها تفننا في النثر والنظام، وقد ملأها الله من الآداب والحكم فنالت من الأمثال القديمة والحديثة ما لم ينله غيرها، وهي في الشعر لا يشق لها غبار ولا يباريها مبار.»[3]

وتحدث في القسم الثاني عن علوم الأديان وهو يقصد بذلك العلوم الشرعية المتمثلة في علم التفسير، العقيدة وعلم الحديث، علم الفرائض، الفقه وأصوله.

أما القسم الثالث يتضمن عدة علوم تخدم في مجموعها صحة الإنسان، وهي في نظره: الطب، علم الطبيعة، التاريخ الطبيعي، علم الحيوانات، علم النباتات، علم الطبقات الأرضية، الكيمياء. ويرى الشيخ المجاوي أن علم الطب هو الأهم لأن كل العلوم "حتى علوم الدين لتوقف القيام بها عليه."[4]

كانت دروس الشيخ المجاوي تعالج كل هذه المسائل من علم التوحيد والتفسير وشرح الأحاديث النبوية. وقد حضر العالم الزيتوني الشيخ محمد الخضر حسين (1873-1958) درسه في شرح الحديث الشريف "الدين النصيحة" خلال زيارته للجزائر في عام 1904. وكانت طريقة الشيخ المجاوي دقيقة ومركزة تتناول الموضوع من كل جوانبه ولا يتعداه إلى موضوع آخر.

وقد أثار ذلك انتباه الشيخ حسين فأعجب به وأثنى عليه كثيرا. واعترف كذلك أنه استلهم منه المنهجية والطريقة المثلى في التدريس، فقال في هذا السياق: « نستحسن من دروس هذا الشيخ اقتصاره في كل فن على تقرير مسائله التي يشملها موضوعه، وعدم خلط بعضها ببعض.وقد كنت – عفاكم الله – ممن أبتلي درسه باستجلاب المسائل المختلفة الفنون، وأتوكأ في ذلك على أدنى مناسبة، حتى أفضى الأمر إلى أن لا أتجاوز في الدرس شطر بيت من ألفية ابن مالك – مثلا- ثم أدركت أنها طريقة منحرفة المزاج، عقيمة عن الإنتاج، ونرجو أن تكون توبتنا من سلوكها توبة نصوحا.»[5]

وبالإضافة إلى علمه الغزير كان يتمتع بأخلاق عالية وعلى رأس هذه الأخلاق التواضع التي هي أهم خصلة التي يجب أن يتصف بها العالم الحقيقي. وهي الخصلة التي تفتح لها القلوب وتكسب لصاحبها القبول عند الناس، وقد جاء في الحديث الشريف: " من تواضع لله رفعه. « فالشيخ المجاوي كان متواضعا مع غيره مهما كانت منزلته العلمية أو الاجتماعية. وكان من شدة تواضعه قربه الشديد من تلامذته فهو يهتم "بشؤونهم، ويذل الوسع في قضاء مآربهم، ويصده علو الهمة عن مجاراتهم فيما يزري بخطته بالشريفة... ولعل هذا الخلق الذي لا ينبل الرجل إلا به، هو الذي غرس له في قلوب الجمهور مودة واحتراما.»[6]

فمهمته لا تتوقف إذن على التعليم في المدرسة أو المسجد بل كان هذا الأستاذ "يتابع تلاميذه بجدية، ويشجعهم دائما ويتتبع سيرتهم داخل وخارج المدرسة وينبههم دائما على الأوضاع والمشاكل المعاشة. كانت يقظته متواصلة وتصب في الصالح العام."[7] فكم من معلم أو أستاذ يهتم اليوم تلامذته أو طلابه بهذا الشكل، ويعتني بهم بهذه الطريقة؟

إنتاجه العلمي
:

لقد ألف الشيخ عبد القادر المجّاوي عدة كتب في شتى العلوم وهي في غالبيتها كتب مدرسية، صغيرة الحجم موجهة لطلاب العلم. فمنها ما طبع، ومنها ما بقي مخطوطا لم يطبع بعد. ويبلغ عددها حسب الدكتور سعد الدين بن أبي شنب ثلاثة عشر كتابا ورسالة، وهي: إرشاد المتعلمين، نصيحة المريدين، شرح إبن هشام، شرح اللامية المجرادية في المسائل النحوية، الدرر البهية على اللامية المجرادية في الجمل، نزهة الطّرف فيما يتعلّق بمعاني الصّرف، الدرر النحوية على المنظومة الشبراوية، شرح الجمل النحوية، شرح منظومة ابن غازي في التوقيت، الإفادة لمن يطلب الاستفادة، شرح منظومة البدع، الفريدة السنية في الأعمال الجيبية، تحفة الأخبار فيما يتعلق بالكسب والاختيار.

ضاعت العديد من هذه الكتب من المكتبات العامة والجامعية. ونأمل أن يضع من بحوزته هذه المؤلفات في أيدي الباحثين وأصحاب دور النشر لإعادة طبعها من جديد، فهي تتضمن أفكارا مفيدة خاصة في مجال التربية التي نحن في ماسة الحاجة إليها اليوم.

ولا بأس أن نقدم هنا بعض المعلومات عن هذه الكتب. لقد نشر كتاب «إرشاد المعلمين» في القاهرة سنة 1877. ومؤلفه يعمل آنذاك إماما بجامع سيدي الكتاني بقسنطينة. وهو يعتبر أشهر كتبه كلها. وقد قام مؤخرا باحث جزائري بتحقيقه ونشره بدار ابن حزم. وهو تضمن مقدمة وأربعة فصول وخاتمة. وقد نشرت جريدة "المغرب" في عام 1903 الفصل الرابع حول "المعاش" في حلقتين.[8]

ونشر الشيخ المجاوي «نصيحة المريدين» في تونس، و طبع «الدرر النحوية» و «شرح الجمل النحوية» و«الاقتصاد السياسي»، و«شرح منظومة البدع» في الجزائر. كما طبع «شرح منظومة ابن غازي في التوقيت» و«شرح شواهد القطر» في قسنطينة.

و«شرح منظومة البدع» هو كما يشير إليه عنوانه شرح لقصيدة كتبها تلميذه المولود بن الموهوب وقال فيها:

صعود الأسفلين به ذهبنا *** لأنا للمعارف ما هدينا
رمت أمواج بحر اللهو منا *** أناسا للخمور ملازمينا
أضاعوا عرضهم والمال حبا *** لبنت الحان فازدادوا جنونا

وإقدام الشيخ المجاوي على شرح منظومة تلميذه سابقة في تاريخ الأدب العربي لأن المتعارف عليه هو الطالب الذي يشرح أقوال وكتابات أستاذه وليس العكس، وهذا ما دفع الشيخ حمزة بوكوشة إلى القول وهو محق في ذلك: « وهو في شرحه هذا النظم الذي نظمه تلميذه الشيخ المولود بن الموهوب، يخالف ما تعارف عليه الناس في عصر المتون والشروح، من أن التلميذ هو الذي يشرح كلام شيخه، وهذا إن دلنا على شيء فهو يدلنا على تواضع المجاوي.»[9]

تضمن كتاب "القواعد الكلامية" مقدمة وعشرة فصول وخاتمة. واستشهد في هذا الكتاب بأقوال أبي الحسن الأشعري وأبي منصور الماتريدي وابن تيمية وابن خلدون والفارابي.

ونشير أيضا هنا إلى كتابين في قضايا عصرية وهي دلالة على تنوع معارفه ومواكبته لتطور العلم. فألف منظومة في علم الفلك[10]. ويبدو أنها لم تطبع. وقد ذكر الباحث الدكتور عمر بن قينة أنه اطلع عليها سنة 1975 في مكتبة مسجد البرواقية. وقد قال لي أيضا الدكتور أبو القاسم سعد الله أنه يملك نسخة من هذه المنظومة مطبوعة، لكنه فقد أثرها بين أوراقه الكثيرة.

أما الكتاب الثاني فعنوانه "المرصاد في مسائل الاقتصاد"، وقد صدر في الجزائر سنة 1904 عن مطبعة فونتانا. ورغم صغر حجم الكتاب فإنه في غاية الأهمية من حيث المضمون والظرف الذي طبع فيه. فهذا العمل "جعله مثلا يقتدى به وبحرفية عالية كانت تجمع بين الاختصار والدقة والكفاءة ووضوح الرأي والتي كانت تعكس فكر المعلم المتعطش للمثالية، ومتطلبات الفكر العلمي.[11]

ومكتبة الشيخ المجاوي محفوظة في مسجد برواقية وهي المدينة التي عمل فيها نجله الشيخ مصطفى بن عبد القادر المجاوي قاضيا. وقد زار هذه المكتبة العامرة بعض الباحثين واستفادوا منها كثيرا. [12]

وكتب الشيخ المجاوي في بعض الصحف العربية الجزائرية: المغرب (1903-1904) وكوكب إفريقيا (1907-1914). ويرى الباحث الدكتور زاهر إحدادن أن المجاوي كتب أيضا في جريدة "المبشر"[13]لسان حال الحكومة العامة الفرنسية في الجزائر.

لقد أحصينا له 12 مقالا في جريدة "المغرب" تناولت المواضع التالية: العلم والأخلاق[14] (العلم، الحلم)، التراث العربي[15] (مشاهير العرب، الطب العربي) وقضايا اجتماعية[16] (الافتخار بالنفس والنسب، المعاش، العادة).

كما نشر 15 مقالا في جريدة "كوكب إفريقيا" تدور مواضيعه حول الأخلاق[17] (التربية، سماحة النفس، الأدب، حفظ اللسان الكبر، والإعجاب)، فضل المواسم الدينية[18] (العيد الأضحى، المولد النبوي، العاشوراء، الهجرة، شهر رمضان، الحج)، وقضايا دينية واجتماعية[19] (البدع، البطالة).

لقد بحثنا أيضا عن مقالاته في صحف عربية جزائرية أخرى لكن للأسف لم نعثر له إلا على المقالات القليلة المنشورة في جريدة "المغرب" و "كوكب إفريقيا" المذكورة سابقا. فهل استعفف عن الكتابة في الصحف الأخرى لأنها لا تتطابق مع أفكاره أم لأنه كان متفرغا بالدرجة الأولى لتربية الرجال على عادة علماء الجزائريين الذين عاصروه؟

وتحصل الشيخ المجاوي في حياته على عدة أوسمة -كما هو واضح من الصورة المرفقة- وذلك اعترافا وتقديرا بجهوده في التعليم والتأليف. وخصصت له مجلة التقويم الجزائري التي كان يصدرها الشيخ محمود كحول (1870-1936) والمستعرب بودي لوي مقالا منوها بفضله على الثقافة الجزائرية. ونشرت في نفس المجلة صورة كبيرة له.[20]

موقف السلطة الاستعمارية منه:

لا ندري إن اتصل الشيخ المجاوي بالإمام محمد عبده (1849-1905)خلال زيارته للجزائر في عام 1903. فلم يتحدث عن ذلك أي باحث درس هذا الموضوع رغم وجوده آنذاك بالجزائر العاصمة. ونحن نعلم أن العديد من النخبة الجزائرية حرصت على اللقاء بهذا العالم الأزهري المعروف وتلميذ زعيم الإصلاح الشهير الإمام جمال الدين الأفغاني (1838-1897).

ولم نعثر له عن نشاط سياسي مباشر على العكس من صاحبه الشيخ عبد الحليم بن سماية الذي عبّر بصراحة عن معارضته لقانون التجنيد الإجباري في عام 1912.[21] وعلى الرغم من ذلك لقي "إهانات من بعض الناس كما لقي مقاومات وصعابا من السلطة الاستعمارية التي طفقت تنقله من مكان إلى آخر"[22]لتشتيت جهوده وتحجيم دوره التربوي.

وقد أثار صدور كتابه "إرشاد المتعلمين" قلق المصالح الاستعمارية في الجزائر التي رأت فيه دعوة لليقظة والإصلاح. وهذا ما أكده الباحث الأمريكي آلان كريستلو.[23]الذي درس مجموعة من الوثائق العسكرية المحفوظة بمركز أرشيف المستعمرات الفرنسية باكس آن بروفانس.

لقد ساهم الشيخ المجاوي" في إحياء اللغة العربية والعلوم الإسلامية وبذل جهدا جهيدا في سبيل ارتقاء مستوى الجزائر الثقافي"[24] وإحياء أمجاد ماضيها. وغرس مع جيله من المثقفين البذرة التي تحوّلت فيما بعد إلى مصدر للروح الوطنية الجزائرية. فاليقظة القومية نشأت قبل الحرب العالمية الأولى بفضل الشعراء والعلماء الجزائريين[25] الذين أحيوا تراث الجزائر وربطوا حاضرها بتاريخها العربي الإسلامي الحافل بالانجازات الحضارية والانتصارات العسكرية التي تجسدت خلال حركة الفتوحات.

وفاته:

نشرت جريدة "الفاروق" التي كان يصدرها المصلح عمر بن قدور الجزائري (1886-1932) خبر وفاة الشيخ المجاوي في العدد 80 الصادر في 2 أكتوبر 1914 الذي وافته المنية في قسنطينة يوم السبت 26 سبتمبر 1914 بقسنطينة التي زارها منذ 20 سبتمبر لزيارة أقاربه وأصدقاءه وتلامذته. وقد كان له نشاط كثيف خلال هذه الزيارة. فكيف نفسر موته المفاجئ وهو في كامل صحته؟

روى الشيخ إبراهيم أطفيش (1886-1965)أن أستاذه المجاوي لم يمت موتة طبيعية وإنما تعرض للاغتيال من طرف المصالح الاستعمارية. فقد ذكر أنه لما زار الشيخ المجاوي قسنطينة في نهاية عام 1913 « وضع الاستعمار له ولثلاثة عشر من علماء الجزائر سما في قهوة فشربها وتوجع حتى مات».[26]وليس بإمكاننا أن نثبت هذه الرواية أو ننفيها، وإن كان هذا السلوك ليس غريبا عن الاستعمار الذي تعامل مع العلماء الجزائريين المخلصين معاملة قاسية دفعت العديد منهم للهجرة نحو البلدان الإسلامية شرقا وغربا.

وأمم صلاة الجنازة تلميذه الشيخ أحمد الحبيبتاني، ثم أبنه الشيخ المولود بن الموهوب في خطبة مؤثرة. فقال: « هذا عبد القادر الذي أكرمنا الله بقدومه من تلمسان منذ خمس وأربعين من السنين فأحي القلوب كالغيث بعد القحط. رحم رب العالمين هذا الشريف عبد القادر الحسني الذي جاءكم بلوعة من المعارف والعلوم وبثها ونشرها ولم يبخل بها على الخصوص والعموم. هذا عبد القادر صاحب الأخلاق الطيبة الذي نوّر العقول...هذا عبد القادر النصوح الذي زين الوطن الجزائري تلامذته، وعمت بعلمه كل جهة ببركته. هذا أستاذ الجميع عبد القادر الذي ما من عالم إلا وله فضل عليه.»[27]

وألقى بعده الشيخ عبد الحميد بن باديس خطبة كان لها وقع شديد في القلوب. وسنرد هنا أيضا جزءا من نص هذا الخطاب غير المعروف: « أيها الإمام الذي ببزوغ شمسه تمزقت سحب الجهل، وبدت غرة القلم المعين، أنت الذي عانيت في سبيل إصلاحنا أتعابا طويلة ... كنت مثالا لحسن الأخلاق وكرم الطبع ولباب الفضيلة...نبكيك بالدموع السحيقة ويبكيك القرطاس والقلم، نبكيك وتبكيك المنابر ودروس العلم والحكم. نبكيك ويبكيك هذا القطر الحزين الذي غمرته بيض أياديك وغرر فضائلك الحسان، وقد حان أن أودعك (وعزيز علي وداعك) وداعا يعقبه اللقاء إن شاء الله في جنان الرضوان. ارجع إلى ربك راضيا مرضيا مثابا عليك بكل لسان مهدئا لك الفوز بالخلد في أرقى فراديس الجنان.»

وختم ابن باديس خطبته بقصيدة طويلة، نكتفي هنا بذكر أبياتها الثلاثة الأولى:

ألا إن هذا الدهر ذو فتكات *** وإنا لنا في طيه لعظات
له عصميات في النفوس فلو رمى *** بها الراسيات صرن منخفضات
وكم قد رماها فاصطبرنا لرميه *** إلى أن رمى بأعظم النكبات

كما خطب الشيخ محمد النجار نيابة عن تلامذة الشيخ المجاوي وقال أنه ما زال يتذكر دروسه وخطبه الداعية إلى الإصلاح ومحاربة البدع وتحرير العقول من قبضة "الضلالة والانحلال المؤدية للردى."

ودعت جريدة "الفاروق" الكتاب والشعراء للكتابة النثرية والشعرية عن الراحل. فجاءتها مساهمات شعرية من مختلف أرجاء البلاد ونشرتها تحت عنوان واحد: "دموع الشعر والشعراء على فقيد العلم والإسلام أستاذ الجماعة المقدس الأستاذ عبد القادر المجاوي" بداية من العدد 82 إلى غاية العدد 92 الصادر في 25 ديسمبر 1914. وتناولت هذه المنظومات الشعرية حياة الشيخ المجاوي بالتفصيل، وأثنت على جهوده المختلفة في مجالات التربية والتعليم والإرشاد، وهي من تأليف هؤلاء الشعراء: المولود بن الموهوب، محمد الميلي بن الشريف، سعد الدين بلقاسم بن الخمار (1885-1952)، أحمد بن العمري، عاشور حمودة، الجنيدي، محمد بن جلواح.

لقد تبوّأ الشيخ عبد القادر المجاوي مكانة مرموقة في الوسط العلمي الجزائري، وكان له فضل كبير على العلماء والقضاة والمترجمين الجزائريين الذين تتلمذوا عليه في المدارس العليا في قسنطينة والجزائر، كما كان له تأثير على عامة الناس الذين كانوا يقبلون على سماع دروسه وخطبه في المساجد. وانتشر تلامذته بدورهم في أنحاء القطر الجزائري ينشرون العلم ويخدمون القضاء الإسلامي ويحاربون البدع ويدعون الناس إلى الإصلاح. فهو بحق أستاذ الجماعة وشيخ العلماء في الجزائر.

مراجع ومصادر الترجمة:

[1]مالك بن نبي. مذكرات شاهد القرن. دار الفكر، دمشق،1986، ص 64.
[2]أحمد صاري. شخصيات وقضايا من تاريخ الجزائر المعاصر. المطبعة العربية، غرداية، 2004، ص 13-14.
[3]عبد القادر المجاوي. إرشاد المتعلمين. دار ابن حزم، الجزائر، ص 33.
[4]المجاوي، المرجع السابق، ص 47.
[5]محمد الخضر حسين. موسوعة الأعمال الكاملة للإمام محمد الخضر حسين. دار النوادر، بيروت، 2010، ج 11، ص 5460.
[6]حسين، المرجع السابق، ص 38.
[7]جيلالي صاري. بروز النخبة المثقفة الجزائرية (1850-1950). المؤسسة الوطنية للاتصال والنشر والتوزيع، الجزائر، 2007، ص 36.
[8]عبد القادر المجاوي. المعاش. المغرب، العدد 6، 28 أبريل 1903؛ العدد 8، 5 ماي 1903.
[9]حمزة بوكوشة. شيخ الجماعة عبد القادر المجاوي. الثقافة، العدد 10، أوت-سبتمبر 1972، ص 12.
[10]عمر بن قينة. عبد القادر المجاوي: حياته وآثاره. شخصيات وذكريات. دار البعث، قسنطينة، 1983، ص 16.
[11]صاري، بروز النخبة، ص 42.
[12]عمر بن قينة. صوت الجزائر في الفكر العربي الحديث. ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، 1993، ص 70. أبو القاسم سعد الله. مسار قلم. عالم المعرفة، الجزائر، 2009، ج 3، ص 399؛ ج 4، 2011، ص 229-230.
[13]زهير إحدادن. الصحافة الإسلامية الجزائرية من بدايتها إلى سنة 1930. المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر، 1986، ص 22.
[14]المغرب، العدد 12، 19 ماي 1903؛ العدد 19، 12 جوان 1903؛ العدد 31، 24 جويلية 1903.
[15]المغرب، العدد 1، 10 ابريل 1903، العدد 2، 13 ابريل 1903، العدد 3، 17 أبريل 1903؛ العدد 4، 21 ابريل 1903، العدد 5، 24 ابريل 1903؛ العدد 17، 5 جوان 1903.
[16]المغرب، العدد 6، 28 أبريل 1903؛ العدد 8، 5 ماي 1903؛ العدد 9، 8 ماي 1903.
[17]كوكب إفريقيا، العدد 31، 3 جانفي 1908، العدد 84، 11 ديسمبر 1908؛ العدد 86، 25 ديسمبر 1908؛ العدد 97، 12 مارس 1909؛ العدد 132، 12 نوفمبر 1909.
[18]كوكب إفريقيا، العدد 39، 2 فبراير 1908؛ العدد 40، 14 فبراير 1908؛ العدد 48، 11 أفريل 1908؛ العدد 49، 17 أفريل 1908؛ العدد 50، 24 أفريل 1908؛ العدد 52، 8 ماي 1908؛ العدد 87، 1 جانفي 1909.
كوكب إفريقيا، العدد 133، 19 نوفمبر 1909؛ العدد 178، 30 سبتمبر 1910. [19]
[20]التقويم الجزائري، سنة 1329 ه/ 1911 م، ص 95؛ 105-107.
[21]مولود عويمر. الشيخ عبد الحليم بن سماية. البصائر، العدد 531، 17 جانفي 2011.
[22]عمار الطالبي. إبن باديس حياته وآثاره. دار الأمة، الجزائر، 2009، مج 1، وص 24-25.
[23]آلان كريستلو. حول بداية النهضة الجزائرية. كتيب لعبد القادر المجاوي. الثقافة، العدد،  1981، ص 56-57.
[24]سعد الدين بن أبي شنب. النهضة العربية بالجزائر في النصف الأول من القرن الرابع عشر الهجري. مجلة كلية الآداب، جامعة الجزائر، العدد 1، 1964، ص83.
[25]شارل روبير آجرون. الجزائريون المسلمون وفرنسا 1871-1919. دار الرائد، الجزائر، 2007، ج2، ص 518-521.
[26]محمد علي دبوز. نهضة الجزائر الحديثة وثورتها المباركة. دمشق، 1965، ج1، ص 82.
[27]الفاروق، العدد 81، 9 أكتوبر 1914.

***

الترجمة بقلم/ الأستاذ الدكتور: مولود عويمر - جامعة الجزائر، المنشورة بموقع «رابطة أدباء الشام» - قسم التراجم.
تكملة الموضوع

حمل كتاب العقائد الدرية شرح متن السنوسية

بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
 
 

- كتاب: العقائد الدرية شرح متن السنوسية.
- تصنيف: العلامة سيدي محمد بن أحمد الهاشمي التلمساني.
- الطبعة: الثانية.
- مطبعة: مصطفى البابي الحلبي وأولاده - القاهرة- ج.مصر العربية.
- سنة الإصدار:  18 جماد ثان 1377هـ / الموافق لعام 8 يناير 1958م.

رابط التحميل

هنــا

نبذة حول الكتاب:

من الكتب التي لها شهرتها وقيمتها لدى طلاب وعلماء علم العقيدة "متن السنوسية"، وقد قام الكثيرون من العلماء بتفسيره وشرحه، والكتاب الذي بين يدينا هو تلخيص يسير للمتن سمى بـ "أم البراهين" قدمه عالم من علماء الأزهر الشريف وهو العلامة فريد عصره سيدي "محمد الهاشمي التلمساني" داعياً فيه البعد عن التعقيد وسهولة العبارة، وقد جاء في الكتاب مبادئ علم التوحيد ومقدمة في الحكم العقلي، والصفات الواجبة والمستحيلة والجائزة لله عز وجل مقدماً في ذلك البراهين لكل منهم، كذلك جاء به بيان أن كلمة التوحيد تجمع العقائد كلها، وقول "محمد رسول الله" صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم  يدخل فيه الإيمان بسائر الأنبياء والكتب السماوية واليوم الأخر... الكتاب يصلح للمبتدئين في علم العقيدة لما تميز به من اختصار ويسر.

ترجمة المصنف:
 
 

هو العلامة الشيخ سيدي محمد بن أحمد بن الهاشمي بن عبد الرحمن التلمساني الجزائري أصلاً، الدمشقي داراً، عالم دين سني متصوف، وشيخ الطريقة الشاذلية في بلاد الشام في عصره.

- المحتويات:

1 مولده
2 تعليمه
3 مؤلفاته
4 وفاته

1- مولده:

ولد محمد بن الهاشمي من أبوين صالحين، من آل بيت النبوة، يرجع نسبهما إلى الحسن بن علي، يوم السبت 22 شوال 1298 هـ الموافق 16 أيلول 1881م، في مدينة سبدو التابعة لمدينة تلمسان من أشهر المدن الجزائرية، وكان والده من علمائها وقاضياً فيها.

2- تعليمه:

بقي الشيخ مدة من الزمن ملازماً للعلماء يتعلم منهم، ثم هاجر في 20 رمضان سنة 1329 هـ مع شيخه محمد بن يلس إلى بلاد الشام هرباً من الاستعمار الفرنسي الذي منع الشعب الجزائري من حضور حلقات العلماء ودروسهم، فمكثا في دمشق أياماً، وعملت الحكومة التركية على تفريق جميع المغاربة الجزائريين، وكان نصيبه أن ذهب إلى تركيا وأقام في أضنة، وبقي شيخه ابن يلس في دمشق، وعاد بعد سنتين إلى دمشق، فالتقى بشيخه ابن يلس وصحبه ولازمه.

وفي بلاد الشام تابع أخذ العلم عن أكابر علمائها، من أشهرهم:

1- المحدث بدر الدين الحسني.
2- الشيخ أمين سويد.
3- الشيخ جعفر الكتاني.
4- الشيخ نجيب كيوان.
5- الشيخ توفيق اليوبي.
6- الشيخ محمود العطار وأخذ عنه علم أصول الفقه.
7- الشيخ محمد بن يوسف المعروف بالكافي وأخذ عنه الفقه المالكي.
  

صورة نادرة وقديمة الشيخ محمد الهاشمي التلمساني وابنه الشيخ أحمد عن يمينه وتلميذه شيخنا الشيخ عبد الرحمن الشاغوري الحسيني عن يساره

أما من ناحية التصوف فقد أذن له شيخه محمد بن يلس بالورد العام لما رأى من تفوقه على تلامذته، من حيث العلم والمعرفة والنصح لهم وخدمتهم. ولما قدم الشيخ أحمد بن مصطفى العلاوي من الجزائر لأداء فريضة الحج، نزل في دمشق سنة 1348 هـ الموافق 1930م، أذن لمحمد بن الهاشمي بالورد الخاص, تلقين الاسم الأعظم, والإرشاد العام.

3- مؤلفاته:

1- مفتاح الجنة شرح عقيدة أهل السنة.
2- الرسالة الموسومة بعقيدة أهل السنة مع نظمها.
3-  البحث الجامع والبرق اللامع والغيث الهامع فيما يتعلق بالصنعة والصانع.
4- الرسالة الموسومة بسبيل السعادة في معنى كلمتي الشهادة مع نظمها.
5- الدرة البهية.
6- الحل السديد لما استشكله المريد من جواز الأخذ عن مرشدين.
7- القول الفصل القويم في بيان المراد من وصية الحكيم.
8- شرح شطرنج العارفين للشيخ محي الدين بن عربي.
9- الأجوبة العشرة.
10- شرح نظم عقيدة أهل السنة.

4- وفاته:
 
 

توفي محمد الهاشمي التلمساني يوم الثلاثاء 12 رجب 1381 هـ الموافق 19 كانون الأول 1961م، وصُلي عليه في الجامع الأموي، ليدفن في مقبرة الدحداح في دمشق وكانت وصيته في آخر حياته: "عليكم بالكتاب والسنة".

**.**

للترجمة مصادرها ومراجعها
تكملة الموضوع

حمل الكتاب النادر المرآة لحمدان خوجة

بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما


- كتاب: المرآة.
- تصنيف: حمدان بن عثمان خوجة.
- تقديم وتعريب وتحقيق: د/ محمد العربي الزبيري.
- دار النشر: ANEP - الجزائر.
- سنة الإصدار: 2005.

رابط التحميل

هنـــا

نظرة حول المصنف والكتاب:

حمدان خوجة - ( 1189 - 1255 هـ) - ( 1755 - 1841 م)

مسيرته:

ينتمي حمدان خوجة إلى عائلة جزائرية عريقة في العاصمة كان خاله الحاج محمد أمينا سكة قبل الاحتلال الفرنسي، أما والده عثمان فكان فقيها، ولد حمدان سنة 1773، حفظ القرآن وبعض العلوم الدينية على يد والده ، ثم دخل المرحلة الابتدائية التي نجح فيها بتفوق فأرسله والده مكافأة له مع خاله برحلة إلى اسطنبول سنة 1784م، ثم انتقل إلى المرحلة العليا حيث تلقى فيها علم الأصول و الفلسفة و علوم عصره.

بعد وفاة والده شغل مكانه كمدرس للعلوم الدينية ، لمدة قصيرة ثم مارس التجارة مع خاله و نجح فيها، حيث أصبح من أغنياء الجزائر، مما فتح له المجال القيام بعدة رحلات إلى أوربا، بلاد المشرق و القسطنطينية و منها استطاع تعلم عدة لغات كالفرنسية و الإنجليزية مما ساعده على التفتح وتوسيع معالمه و التعرف على العادات و التقاليد، والأنظمة السياسية السائدة في تلك البلدان، وأثناء الحملة العسكرية الفرنسية على الجزائر ساهم بكل ما لديه للدفاع عن مدينة الجزائر .

بعد الاحتلال الفرنسي اشتغل كعضو في بلدية الجزائر و فيها حاول الحفاظ على ما تبقى للجزائريين من ممتلكات، حيث رفض تسليم عدة مساجد للفرنسيين الذين اتخذوا ذلك حجة لتدميرها وإقامة بدلها مؤسسات وطرق عمومية كما شارك في لجنة التعويضات الفرنسية لتعويض الأشخاص الذين هدمت ممتلكاتهم لفائدة المصلحة العامة كما يقول الاستعمار الفرنسي، وفيها بذل حمدان جهودا لخدمة إخوانه الجزائريين ولكن الاستعمار الفرنسي تفطن لنوايا الأعضاء الجزائريين المشاركين في هذه اللجنة فحلها وأغلق باب التعويضات، بعد ذلك شارك كوسيط بين أحمد باي والفرنسيين وأرسل إلى الجنرال سولت مذكرة يصف فيها التجاوزات التي قام بها الفرنسيون في الجزائر، فكان من نتائج هذه المذكرة إنشاء اللجنة الإفريقية للبحث عن الأوضاع في الجزائر، و في باريس راسل السلطان العثماني وناشده بالتدخل لإنقاذ الشعب الجزائري ثم غادر باريس نحو القسطنطينية في 1836 و توفي هناك ما بين 1840-1845.

آثاره:
  
  

لحمدان آثار علمية قيمة تعتبر من المصادر الأساسية، لدراسة الفترة الأخيرة من العهد العثماني في الجزائر والفترة الأولى من الاحتلال الفرنسي، كما تعطينا صورة واضحة عن مستوى الفكر في العالم الإسلامي ومعظم آثاره عبارة عن مؤلفات وترجمة و مذكرة و رسائل، ومن أهم مؤلفاته: «المرآة» الذي قام بتعريبه الدكتور محمد العربي الزبيري.

حياته:

ولد في الجزائر (العاصمة) وتوفي في استانبول، قضى حياته في الجزائر وفرنسا وتركيا، تلقى تعليمه الأولي عن أبيه، ثم واصل تعليمه في المؤسسات العلمية القائمة في الجزائر في النصف الثاني من القرن الثامن عشر، فتعلم العلوم الدينية واللغوية والمعارف القانونية والتاريخية والفلكية والطبية، كما أتقن عدة لغات منها: الفرنسية والتركية والإنجليزية.

عمل أستاذًا في العلوم القانونية والشرعية، كما كان سفيرًا دبلوماسيًا لبلاده في بلاد البلقان وفرنسا، وعمل بالتجارة، ينسب إليه تأسيس حزب المقاومة المناهض للاستعمار الفرنسي، وكان من أهم الناشطين السياسيين في الحركة الوطنية في الجزائر بعد الغزو الفرنسي 1830.

الإنتاج الشعري و أعماله:

له قصيدة وردت ضمن كتاب: «حمدان خوجة الجزائري» – دار الثقافة للطباعة – بيروت 1975م، وله عدة كتب مطبوعة بالفرنسية والعربية منها: كتاب بعنوان: «المرآة» – المؤسسة الوطنية للنشر والإشهار – الجزائر 2005، كتب بالفرنسية ثم ترجم إلى العربية والتركية، و«إتحاف المنصفين والأدباء عن الاحتراس من الوباء» 1836، و«حكمة المعارف» 1837، وله عدة مقالات وترجمات بالفرنسية والتركية والعربية.

ما توفر من شعره نموذجان، وهما من شعر المدح، فله قصيدة (19 بيتًا)، في مدح السلطان محمود خان الغازي تتراوح بين معاني المدح وشكوى الدهر، فيها طابع الاستعطاف والتوسل، وله أخرى (5 أبيات) في مدح شيخه محمد بن علي، وهي من شعر الإخوانيات مطلعها من النسيب، وشعره يتسم بحسن السبك وقوة العبارة وسلاسة اللغة، صوره جزئية قليلة تتسم بفصاحة البيان.

مصادر الدراسة:

1 – أبو القاسم سعد الله: تاريخ الجزائر الثقافي - دار الغرب الإسلامي - بيروت 1998.
2 – محمد بن عبد الكريم: حمدان خوجة الجزائري - دار الثقافة للطباعة - بيروت 1974.
3 – الربعي بن سلامة وآخرون: موسوعة الشعر الجزائري - دار الهدى - مليلة - 2002.
4 – مقابــلات أجراهــا الباحـث تسعديــت آيت حمودي مع بعض الباحثين - الجزائر 2003.
5 – الدوريات: حميدي عمبراوي: حمدان خوجة، حياته وآثاره - مجلة الثقافة - دار الهدى - الجزائر 2002..

مقتطف من الكتاب:

جاء في الفصل العاشر الجزء الثاني من هذا الكتاب تحت عنوان "تابع لإدارة الجنرال كلوزيل وحملاته ضد المدية والبليدة" نرى فيها مدى همجية وبشاعة ووحشية المحتل الفرنسي الغاشم اتجاه الشعب الجزائري الأبي ...

يقول حمدان خوجة:

" .... وبهذه المناسبة أذكر الحادثة التالية: لقد اضطر المدعو "محمد بن سفطة" إلى المجيء إلى البليدة ليعيش فيها، وكانت مهنته كإسكافي لا تكفي لتوفير وسائل  عيشه، وعيش امرأته وبناته الصغيرات الأربع، وكان يسكن دارا صغيرة دخل إليها أثناء الهجوم وأغلق الباب، إنه لم يكن يملك أي نوع من السلاح، ولم يكن معه سوى الأدوات التي يشتغل بها، وعندما دق الباب خرج إليهم صحبة زوجته، ولكن سرعان ما وجهت إليه طلقات عديدة أردته قتيلا، كما قُتلت طفلة لها من العمر عامان، أما زوجته فقد كسروا ذراعها، ونهبت الدار كلها، ولما بقيت الزوجة المسكينة بدون مورد بعد أن كُسرت ذراعها وأصبح عليها أن تعول ثلاث بنات، توجهت إلى القائد الأعلى، ولكن شفقته لم تزد على أنه أركبها بغلة دون أن يضمد جراحها الذي ظل يدمي طيلة الطريق.

ويتابع حمدان خوجة ويقول: " إن هذه المرأة قد أصبحت تتسول بعد هذا الحادث، وغيرها من السكان كثيرون، ولقد كنا في ما مضى، نستطيع إعانتهم لأننا كنا نملك مؤسسات خيرية، أما الآن فإن تلك المؤسسات كلها أصبحت في أيدي السلطات الفرنسية التي توزع من حين لآخر بعض الصدقات … فيعطى لكل فقير في كل أسبوع (سوردي) أو اثنين في بعض الأحيان".اهـ.

---*---

وفي الأخير أدعو الجميع لقراءة هذا الكتاب النادر لتكتشفوا بأنفسكم الوجه الآخر المظلم للمستعمر الفرنسي الغاشم ومدى وحشيته وبشاعته اتجاه أبناء وطننا الحبيب "الجزائر".
تكملة الموضوع

ترجمة الشيخ العلامة مولاي بن شريف


بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما.

المحتويات:

1- مولده
2- أصوله
3- دراسته بمصر
4- عودته إلى أرض الوطن
5- الحركة الدينية
6- الحركة السياسية
7- وفاته

1- مولده:

ولد الشيخ مولاي بن شريف في عام 1883م بفرندة ولاية تيهرت "تيارت حاليا"، وهو ابن مولاي المكي بن مولاي أحمد ولد عبد القادر، تتلمذ على يد شيخه الحاج مولاي العربي في مدينة فاس المغربية.


مدينة فرندة التي ولد فيها الشيخ
2- أصولــــــه:

وكان يعرف ياسم بن شريف الدرقاوي، وقد تتلمذ على يد الحاج محي الدين (والد الأمير عبد القادر)، وهو أيضا من أتباع طريقة مولاي العربي الدرقاوي (صاحب الطريقة الدرقاوية)، وقد أخذ هذه الطريقة عن شيخه ووطّد روحه الدينية بإتباعه دروس الفقه والتوحيد، وعند خروجه من المغرب، قام بمحاولة إثارة أتباعه ضد نظام الأتراك الإداري الجائر، وبالخصوص النظام القائم في الهضاب العليا (في الجنوب الوهراني) وكان ذلك بين سنتي 1804-1805م. 

مولاي أحمد:

وهو رفيق سيدي لزرق، الذي جابه الغزو الفرنسي، فقام ضده في سنة 1839م وسنة 1840م، فقبض عليه وحُملَ إلى فرنسا وسجن هناك مدة 3سنوات، وبعد عودته بقليل، سقط في شباك إحدى الدسائس، نصبها له أحد أذنابها المرتزقة المدعو (شين النيف)، ولا يزال يذكره الشٍّعر الشعبي من خلال أبيات معبرة يعرفها أهالي منطقة سيدي علي، فقُتل مولاي أحمد، واغتنمت قوات الاحتلال هذه الفرصة لتُمَّثِّل برأسه أشنع تمثيل، إذ انتزعوه من جسده أخذوا يتجولون به إلى رباط الجنود الفرنسيين، وفي محيطهم مستهدفين نشر الرعب بين الأهالي وبين عناصر المقاومة في الجبال.

مولاي المكي:

الذي نظم وبطريقة سرية أفواجا معادية لجيش الإحتلال، وخاصة بناحية حجاج، غير أن القوات الفرنسية أوقفته وكبلته بالسلاسل، وأخذوه راجلا إلى سجن مدية معسكر، بينما كان رجال الدرك ممتطين خيولهم.

وبعد ثلاثة أشهر، أطلق سراحه ووضع تحت مراقبة شديدة وذلك في سنة 1873م.

ترعرع الشيخ مولاي بن شريف بين أحضان هذه العائلة الثائرة، وتغذّى بأفكارٍ ذات اتجاه معين من الروح الدينية والوطنية، وهما معا يرتبطان ارتباطا عضويا تلقاء الغزو الأجنبي كيفما كانت صفته، تلك هي البوتقة التي انصهر فيها شيخنا، وكيف يصوب هذه الحدة العارقة إن لم يستعن بثقافة عربية تمكنه من بلوغ مناه.

3- دراسته بمصر:
الشيخ بالزي الأزهري أثناء دراسته بالأزهر الشريف


بعد إتمامه لدروسه القرآنية تيارت، واجه الشيخ اهتمامين:

- الاستعمار الفرنسي الذي كان يكرهه بفضل تكوينه الوطني.

- ميوله إلى العلم والديانة الإسلامية التي كان يحبها.

بعد فشله في مواجهة الإستعمار، خاصة تمركز المعمرين داخل التراب الوطني، دفعه حُبُه للمعرفة إلى الهجرة لمصر، ولما بلغ مدينة وهران، صادف مواطنين له في مدينة تلمسان، قاصدين الإبحار نحو الشرق فارين من الحكم الاستعماري الجائر، ولكن لم يكن مع الشيخ مولاي ن شريف من الأموال التي تخول له الحق في اقتناء التذكرة، فطر له ببيع فرسه الذي يمتطيه، وامتطى قاربا من القوارب الملازمة لكل سفينة عادة عندما أرخى الليل سدوله، وعند إقلاع السفينة، كاد هذا المغامر أن يغرق في البحر وتبتلعه الأموج، لو م يساعد من طرف إخوانه لمهاجرين، فصاحبهم كيفما كان مغامرا ومتحديا للصعاب، وذلك في سنة 1908م، وصل إلى القاهرة في سنة 1908 وإلتحق بالجامع اأزهر، حي إلتقى بالشيخ العربي التبسي في سنة 1922م بعد قضاء 14 سنة.

4- عودتـــه إلى أرض الوطن:

بعد وصوله إلى وهران، وج مرارة الإستعمار الذي أغلق مكتبته التي كان تضم 2000 كتاب، وكذلك عدة وثائق، وهكذا يكون قد أضاع جزء كبيرا من هذه الوثائق، كذا شهادة إنهاء دروسه الفقهية.

وحاول طيلة عدة شهور على وثائقه، ولكن يدون جدوى، وكانت إدارة الجمارك تنظر إليه بعين الأذى والحقد، التي توسمت شراّ في هذا العربي الجزائري المتحلي ببذلة (أزهرية) مصرية غريبة عن ضابط الجمارك الفرنسي، وتوسم عليه أنه أجنبي فوق أرضه المسلمة، واحتجز هذا لضابط المجلدات باللغة العربية التي رأى فيها خطرا عليه، ولم يتمكن الشيخ من استرجاعها إلا القليل كعقاب له، وذلك بأن القانون المزعوم يفرض على كل جزائري أراد السفر للخارج لطلب العلم، عليه أن يتقدم بطلب رخصة مسبقا قبل الخروج من أرض الوطن، وهو قد تحدى الوضع الفرنسي القائم آنذاك وصار مراقبا من طرف رجال الإحتلال حيثما تنقل أو حطّ رحاله، وفي النهاية حصل على مكتسباته التي ضاق من أجلها مرارة الجوع وهو طالب.

لقد أقام بغيلزان ، حيث درس بها مدة عامين، ثم ذهب إلى المغرب ليزور مسجد مولاي العربي بفاس في سنة 1924، وخلال هذه الزيارة التي دامت شهرا كاملا، إلتقى فها بالقائد محمد بن عبد الكريم الخطابي قائد حرب الريف. 

القائد محمد بن عبد الكريم الخطابي الذي التقى به الشيخ أثناء زيارته للمغرب


وبعد عودته إلى الجزائر، تمركز بسيدي علي، الذي احتضنه أهلها إلى آخر نفس له، وبنى فيها زاويته في نة 1927م بمساعدة سكان الناحية، الذي عَمِلَ على إقناع سكان سيدي علي بضرورة بناء هذه الزاوية، لتكو مأوى للطلبة، بالواجب، وبدأت التحريات والتنكيد للآلة الإستعمارية، فاستدعته الإدارة الفرنسية عن سبب زيارته لفاس وعن علاقته بالخطابي، ولم يبقى الشيخ مكتوف الأيدي، بل أحاط نفسه بجماعة من الأشخاص، وأعلمهم بتكوينه الديني ذي الطابع الإيديولوجي والسياسي، ونظرا لنقص وقلة المثقفين، اضطر إلى ضمان المسكن والحماية لتلاميذه، ومن بينهم:

- الشيخ بن سبيمان
- الشيخ بلكتروسي (أولاد معلة)
- الشيخ سي يوسف (بن عبد الملك رمضان)
- الإخوة بلقاضي (أواد خلوف)
- الشيخ سي أحمد الحبيب (أولاد معلة).

5- الحركة الدينية:

كان الشيخ مولاي بن شريف إماما، وأستاذا، يدرس علم الشريعة لإسلامية، فخضع سكان الناحية كلهم بهذه الشريعة، بعد سنوات شاقة عملت الإدارة الفرنسية على تشجيع الإقتتال بين السكان، فكان لا يمر يوم اقتتال بالبنادق والسكاكين من أجل أمور تافهة، كالإختلاف حول قطعة أرض، أو شتت يمس الشرف، فكان الحكم الذي يخضع له سكان هذه الناحية، فاشتهرت مناقبه، وشهدوا له بالإنصاف في محاربته لكل أنواع الخرقات والشعوذة.

المنبر الذي وقف عليه الشيخ مولاي بن شريف خلال خطبة الجمعة في زاويته التي بناها سنة 1927


6- الحركة السياسية:

انظم الشيخ إلى جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، وكان مستشارا في مجلسها الإداري، بمعية الشيوخ: عبد الحميد بن باديس – محمد البشير الابراهيمي – الطيب العقبي – محمد الأمين العودي – مبارك الميلي – ايرهيم بيوض – المولود الحافظي – مولاي بن شريف – الطيب المهاجي – السعيد الياجري – حسن الطرابلسي – عبد القادر القاسمي ومحمد الفضيل الورتلاني، وكان يسافر كثيرا إلى الجزائر العاصمة مما دفع الإدراة الفرنسية إلى غلق الطريق في وجهه، بعد تحريض من معاونيها وهدد بالنفي إلى مدينة بشار، وأصابه المرض، وابتعد عنه أصدقاءه، ورغم هذا، حافظ على علاقته المتينة مع سي نسيب من مستغانم.

وفــجـــر إنـــدلاع الـثـــورة التــحــريرية، التقى بالشهيد بن عــبـد المـــالــــك رمــضـــان (المدعو سي عبد الله)، وتعرف عليه، بل وجلس معه على مائدة واحدة للطعام عدة مرات ولمـــا اندلعت الثورة، لم ييأس، بل كان فخورا بتلاميذه الذين التحقوا بلجبال وكان في عمره 72 سنة، وخلال ذلك الوقت، كان المجاهدون يرونه مدافعا عن وطنه بقلمه، رأوه بعد أن أصيب بمرض عضال، ألزمه الفراش، وهجّرت الإدارة الإستعمارية ابنيه التوأمين (محمد والمكي) البالغين من العمر 17سنة، بحجة إطلاقهما النار على الحاكم الفرنسي في البلدية المختلطة Choiral. 
نجلاء الشيخ التوأمان في صف الجلوس (الأول في أقصى اليصار والثاني من اليمين) في صورة جماعية للقسم في مدرسة البرج سنة 1951م.


7- وفاتـــــــه:

توفي الشيخ في يوم 24 فيفري 1959م بسيدي علي، وبعد مرض عضال على إثر عملية جراحية، وقلبه ممزق، لأنه لم ير الراية الجزائرية وولديه الذين بحثت عنهم الإدارة الفرنسية في الخارج – رحمه الله.

هوامش/

فرندة:

فرندة هي حاليا دائرة من دوائر ولاية تيارت الجزائرية، تقع في الهضاب العليا الغربية للمدينة، يحدها من الشمال كل من دائرتي مدغوسة ومشرع الصفى، ومن الشرق دائرة السوقر، ومن الجنوب دائرة عين كرمس, ومن الغرب ولايتي سعيدة ومعسكر، تبعد عن الباهية وهران بـ: 220 كلم, وعن معسكربـ 110 كلم وعن تيارت بـحوالي50 كم.


 من بلدياتها فرندة وهي أيضا مقر الدائرة، عين الحديد، تخمارت... ومن أحيائها الشعبية شعبة عربية، حمدوش، بن يزدي، الباتوار، بني ساعد، الكاريان، الباب الكبير سيدي ناصر،...


وما يميزها عن باقي دوائر الولاية هو قربها من ذلك المعلم التاريخي "مغارة ابن خلدون" العلامة الشهير مؤسس علم الاجتماع الحديث الذي كتب بها رائعته في فلسفة التاريخ "المقدمة"،

المغارة التي كتب فيها ابن خلدون مقدمته الشهيرة - فرندة / ولاية تيارت

 أيضا  الجدار وهي عبارة عن هضاب وجبال في غاية الروعة و الجمال، يتصف سكان هذه المنطقة بالرحمة والكرم والسخاء وحسن الضيافة، تقام بها سنويا العديد من المهرجانات والحفلات للأولياء والصالحين الذين عمرو المنطقة منذ القدم و التي لا تزال معالمهم شاهدة إلى يومنا هذا  مثل وعدة سيدي عمر وسيدي علال وسيدي بختي والجبابرة وسيدي أحمد بن داود' وسيدي محمد بن خليفة شايع...

للترجمة مصادرها ومراجعها.
تكملة الموضوع

حمل كتاب الكامل في القراءات العشر والأربعين الزائدة عليها

بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما


- كتاب: الكامل في القراءات العشر والأربعين الزائدة عليها.
- المؤلف: يوسف بن علي بن جبارة بن محمد بن عقيل بن سواده أبو القاسم الهُذَلي البسكري الجزائري، (المتوفى: 465هـ).
- المحقق: جمال بن السيد بن رفاعي الشايب.
- الناشر: مؤسسة سما للنشر والتوزيع.
- سنة النشر: 1428 – 2007.
- عدد المجلدات: 1.
- رقم الطبعة: 1.
- عدد الصفحات: 667.


ترجمة المصنف:

لقد سبق وأن أفردنا له ترجمة كاملة
على هذا الرابــــــط

تكملة الموضوع

حمل كتاب ديوان الشاعر الجزائري محمد العيد آل خليفة

بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما.

كتاب: ديوان محمد العيد آل خليفة.
دار النشر: الهدى للطباعة والنشر والتوزيع – عين مليلة – الجزائر.
عدد الصفحات: 544.
سنة الطبع: 2010م.

رابط تحميل الكتاب

هنـــا

ترجمة صاحب الديوان:

هو الشاعر الجزائري الكبير سيدي محمد العيد بن محمد علي بن خليفة من محاميد سوف المعروفين بالمناصير من أولاد سوف، ولد في مدينة عين البيضاء بتاريخ 28 أوت 1904م الموافق لـ 27 جمادي الأولى 1323هـ بعد تلقي القرآن والدروس الإبتدائية بمدرستها الحرة عن الشيخين محمد الكامل إبن عزوز واحمد بن ناجي، انتقل مع أسرته على بسكرة سنة 1918م وواصل دراسته بها على المشائخ علي بن إبراهيم العقبي الشريف والمختار بن عمر اليعلاوي والجنيدي أحمد مكي.




وفي سنة 1921م غادر الشاعر بسكرة على تونس حيث تتلمذ سنتين بجامع الزيتونة ثم رجع سنة 1923م على بسكرة وشارك في حركة الإنبعاث الفكري بالتعليم والنشر في الصحف والمجلات (صدى الصحراء) للشيخ أحمد بن العابد العقبي و(المنتقد) و(الشهاب) للشيخ عبد الحميد بن باديس و(الإصلاح) للشيخ الطيب العقبي.

 وفي سنة 1927م دعي إلى العاصمة للتعليم بمدرسة الشبيبة الإسلامية الحرة حيث بقي مدرسا بها ومديرا لها مدة اثني عشر عاما وفي هذه الفترة أسهم في تأسيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين وكان من أعضائها العاملين، ونشر الكثير من قصائده في صحف الجمعية (البصائر،السنة، الشريعة، الصراط) وكذا في صحيفتي (المرصاد والثبات) لمحمد عبابسة الأخضري.

وفي سنة 1940م بعد نشوب الحرب العالمية الثانية غادر العاصمة الجزائرية إلى بسكرة ومنها دعي إلى باتنة للإشراف على مدرسة التربية والتعليم إلى سنة 1947م ثم إلى عين مليلة لإدارة مدرسة العرفان إلى سنة 1954م وبعد إندلاع الثورة الكبرى أغلقت المدرسة وألقي القبض عليه وزج به في السجن وامتحنته السلطة الإستعمارية بعد إطلاق سراحه بمنحة غاشمة وفرضت عليه الإقامة الإجبارية ببسكرة فلبث بها معزولا عن المجتمع تحت رقابة مشددة إلى أن فرج الله عليه وعلى الشعب الجزائري بالتحرير والإستقلال.

مصدر الترجمة:

 من الكتاب ذاته الذي بين أيديكم اليوم (ديوان محمد العيد آل خليفة).


تكملة الموضوع

ترجمة الولي الصالح سيدي أبو زكريا الزواوي البجائي

                


أبو زكرياء يحيى بن أبي علي المشتهر بالزواوي

... - 611هـ  - ... 1214م

 فمنهم الشيخ الفقيه، الصالح العابد، الولي الزاهد على التحقيق، المتوجه إلى الله بكل وجهة طريق، أبو زكرياء يحيى بن أبي علي المشتهر بالزواوي وهو عندما يكتب اسمه يكتب الحسني "منسوب إلى بني حسن" من أقطار بجاية، والناس ينسبون فيه الحسناوي، ولد في "بني عيسى" من قبائل "زواوة" وقرأ رضي الله عنه أول أمره "بقلعة بني حماد" على الشيخ الصالح أبي عبد الله ابن الخراط وغيره ثم ارتحل إلى المشرق، ولقي الفضلاء والأخيار والمشائخ من الفقهاء والمتصوفة وأهل طريق الحق.

وكان، رحمه الله، منذ ظهر بانيا على ترك الدنيا والانقطاع إلى الدار الآخرة، استوطن بجاية رحمه الله بعد رجوعه من المشرق، وجلس بها لنشر العلم وبثه والدعاء إلى الله تعالى، فانتفع الخلق على يديه وظهرت عليهم بركته وفعلت فيهم سريرته الصالحة ونيته، ولم يكن أحد أجلد منه على القيام والصيام، وما كان عيشه، رضي الله عنه، إلا من المباح كالبقول المطروحة وما جرى مجراها وإذا اشتهى اللحم ينزل إلى البحر فيصيد السماك على الأحجار، وهي لحمه رضي الله عنه، وما من ناحية من النواحي إلا وله فيها مسجد معلم، وكلها معروف البركة، وكراماته رضي الله عنه أكثر من أن تحصى، ولو كتبت لكانت مجلدات وأحواله كلها كرامات.

وكان يجلس لعلوم الحديث ولعلوم الفقه ولعلوم التذكير، وكان الغالب عليه رضي الله عنه الخوف، ما يمر بمجلسه إلا ذكر النار والأغلال والسعير، وتكاد تفيض قلوب الحاضرين في مجلسه، هذا هو حاله دائما، وهذه الطريق هي أحسن الطريق في الدعاء إلى الله تعالى، إذ جبل الله الخلق على أنهم لا ينفعلون غالبا إلا بالخوف، ولأجل هذا كان أكثر الشريعة تخويفا.

وما زال رضي الله عنه مستمرا على هذا الحال إلى يوم وفاته، يبسط أمل الناس ورجاءهم في رحمة الله وفي سعة مغفرته، ومناهم بما عنده من كثرة الثواب، وإنه لا يضيع أجر من أحسن عملا، إلى غير ذلك مما اشتمل عليه مجلسه، وهذا طريق حسن، لأنه لم يبق عند لقاء الله إلا الطمع في رحمته والرغبة فيما عنده، لأن الخوف فائدته إنما هي الحض على العمل، وحين الموت انقطع العمل، ولم يبق إلا قوة الأمل لتلقى الله طيبة نفسه، فيحب لقاء الله فيحب الله لقاءه، حسبما اقتضاه الحديث.

ولقد رأيت فصلا فيه ذكر وفاته، بخط الشيخ المقرئ، أبي العباس ابن الخراط وأنا أذكره بنصه، قال رحمه الله: أن وفاته كانت بعد صلاة العصر من يوم الجمعة، الرابع عشر من شهر رمضان المعظم من عام أحد عشر وستمائة، وتوفى في هذا اليوم فجأة من غير تقدم مرض، وكان قد رتب ميعادا بالقراءة لسماع تفسير القرآن العظيم، وميعادا بعد صلاة الظهر لسماع حديث رسول الله، صلى الله عليه وسلم، على جري عادة السلف الصالح في شهر رمضان، فبينما أنا أقرأ بين يديه بالغداة وقد مرت آية فهم منها ما لم نفهم، وعلم من نحواها ما لم نعلم، إذ وثب قائما طيلسانه وطرح رداءه، وحسر رأسه وبسط يديه ومد ذراعيه، فأمسك عن القراءة، فتعوذ بصوت رفيع وبسمل، فافتتح بقول الله تعالى } (قل للذين كفروا أن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف) { ولم يزل يرددها ويكررها بتحذير وترنين، ثم أقبل على الناس بخضوع وخشوع، وأخذ يبين لهم ما أعد الله من سعة الرحمة وأضعاف الحسنات والتجاوز عن السيئات، وإن الله لا يضيع أجر من أحسن عملا، ثم قال: يا إخواني سألتكم بالله إلا ما ضممتم صبيانكم وأولادكم وأصاغركم ودعوتم لي، ولا تنسوني فإني جار لكم، ولست أنساكم، وأكثر من هذا القول في بكاء شديد حتى كأنه أشعر إنه راحل من الدنيا، وان ذلك وداع منه للناس، ثم دخل زاويته دون أن يختم مجلسه بالدعاء المعهودة منه، ولما حانت صلاة الجمعة وأخذ الناس في الرواح وجلس الإمام على المنبر، وأذن المؤذن، خرج على الناس من زاويته، وجلس منصتا لاستماع الخطبة، فلما قضيت الصلاة، نصبوا له كرسيه واستوى عليه، وازدحم الناس ينظرون إليه، فأخذت في قراءة كتاب المسند الصحيح، من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، تصنيف الإمام الحافظ، أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري رضي الله عنه، وهو ينظر إلي، فاعتراه شبه غشي أماله على جانبه الأيمن، فبادرت إليه مع بعض من قرب خشية السقوط، فحملناه وأدخلناه زاويته وأطبقنا الباب دونه، فبادر إليه من كان يخدمه من أهله وجلسنا ننتظر عاقبة أمره، إلى أن أذن مؤذن العصر وأخذ الناس في التنفل، ثم أقيمت الصلاة، فسمعنا في الزاوية حركة اغتسال نفهم منها تجديد طهارة، ثم سكنت تلك الحركة، وقد أدرك فضل صلاة الجماعة، ثم استلقى مستقبلا فقبض طاهرا صائما صامتا معتكفا في الجامع الأعظم، صحيحا سويا، دون مرض ولا ألم، قدس الله روحه، وبرد ضريحه، ونفع به وبصالح دعائه.

وفشا الخبر في الناس، فتسابقوا إليه، وحشروا من كل ناحية عليه، وارتفع صراخهم واشتبكت أصواتهم، ونما ذلك إلى من كان له الأمر ببجاية حينئذ، فوجهوا نقيبا لصيانة جثته الطاهرة الزكية من ابتذال من يلي بها ويقتحم للتبرك بما بين ثوبها. فلما جن الليل أمروا بحمله إلى روضته، وكلفوا أمناء بجهازه، ثم بادروا بأنفسهم وشهدوا الصلاة عليه على شفير قبره، ضحى يوم السبت، الخامس عشر المتقدم الذكر، ووقفوا حتى واروه عن الناس، وعزى الناس عن مصابهم بعضهم بعضا، رحمة الله عليه. انتهى كلامه رحمه الله.

ومن أشياخه، الفقيه أبو الطاهر إسماعيل بن مكي بن عوف الزهري، روى عنه الموطأ، والقاضي أبو سعيد مخلوف ابن جاره روى عنه "المصابيح" وكتبا عدة إجازة وسماعا، والإمام أبو طالب أحمد بن رجا اللخمي، قرأ عليه وأخذ عنه الأصلين حفظا واتقانا، والحافظ أبو طاهر السلفي صحبيه وأخذ عنه إعجاز القرآن للخطابي، ومن شعر أبي طاهر:

ما لي لدى ربي جزيل وسيلة *** إلا اتباع نبـيه ويقـينـي
والدين حصن للفتى وعقيدتي *** أن القليل من اليقين يقيني

ومن شيوخه، رضي الله عنه أيضا، الإمام أبو عبد الله ابن بكرة الكركني قرأ عليه المذهب رواية ودراية، وأبو القاسم بن فيرة الشاطبي الضرير، والفقيهان الأخوان أبو عبد الله وأبو العباس الحضرميان عنهما الشهاب [أي شهاب الأخبار في الحكم والأمثال والأدب من الأحاديث النبوية] للقاضي والفقيه أبو زيد عبد الرحمن بن سلامة، والزاهد أبو عبد الله المغاور، والشيخ أبو عبد الله السلاوي، وغير هؤلاء، رضي الله عنهم ونفعنا بالجميع آمين.

مصدر الترجمة:

كتاب: عنوان الدراية فيمن عرف من العلماء في المائة السابعة ببجاية - للشيخ العلامة أبو العباس أحمد بن أحمد بن عبد الله الغبريني منشورات دار الآفاق الجديدة بيروت لبنان- أبريل (نيسان) 1979م.
تكملة الموضوع

ترجمة الولي الصالح سيدي محند بن أوقري



بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله وسلم على سيدنا ومولانا محمد صلاة أهل السموات والأرضين عليه أجري يا رب لطفك الخفي في أموري والمسلمين

سيدي محند أوقري ومناقبه العلمية

يعتبر سيدي محند أوقري أحد علماء بلاد القبائل (زواوة) البارزين في ميدان نشر العلم بمنطقة آث يعلى، وأحد أقطاب الأولياء الصالحين، عمل لدنياه ولآخرته، وفق منهاج معتدل، جعله يمسك القلم بيد، والفأس بالأخرى، فعاش من ثمار جهد عرقه بعد أن أحيا أرضا مواتا، حوّلها إلى بساتين غناء، وشيّد زاوية (ثيمعمرث) للمعرفة والتعبّد والمصالحة، اشتهرت باسم "الجامع أوقري"، ظلت تشعّ نورا، وتهدي الخلق إلى الصراط المستقيم. وعندما اندلعت الثورة التحريرية الكبرى صارت قلعة للمجاهدين، ومازالت بفضل جهود المخلصين من أحفاده ـ

يتقدمهم عبد الوهاب حمودة ـ تواصل رسالتها العلمية والاجتماعية، وعليه فهي جديرة بوقفة نستذكر فيها تاريخها التليد، وننفض غبار النسيان عن أمجادها الجديرة بالإشهار.

من هو سيدي محند أوقري؟

يسود الاعتقاد لدى أحفاده أن الشيخ سيدي محند أوقري، ينتمي إلى أشراف الساقية الحمراء، يكون قد درس في مدينة فاس حسب رواية الحسين الورثلاني، ثم انتقل إلى بلاد الزواوة، واستقر في آث يعلى رفقة إخوانه؛ بوعبد الله، وعبد الرحمن، وتواتي، والحسين، وبعض رفاقه من عائلة إكثاف (أكتوف) الحالية.

ويرجح الأستاذ عبد الحميد زاهير ـ وهو من أحفاده ـ أن سيدي محند أوقري يكون قد عاش مابين القرن السابع عشر، والنصف الأول من القرن الثامن عشر(1635 ـ 1720)، واستخلص ذلك من قول الحسين الورثلاني (1713 - 1780)، الذي ذكر أنه أدركه في طفولته.

استقر الشيخ سيدي محند أوقري في مكان منخفض يدعى "لخناق"، وهو موقع متميّز بتوسّطه لمناطق آث يعلى، وجعافرة، وثاسمارث، وبوفرة المياه، لذا بنى طاحونة لرحي الحبوب. ولكنه لم يلبث أن ترك هذه المنطقة الخصبة، لينتقل إلى قمة جبل تدعى "تيزي نتعساسث"، ميزتها الحصانة، والإشراف على العديد من قرى آث يعلى، وآث ورثيلان، وإلماين، ويمتد النظر فيها إلى جبال جرجرة، وأكفادو، والبيبان، لذا استحق هذا المكان تسمية "القلعة" عن جدارة. وحظي سيدي محند أوقري بالترحاب من طرف العائلات القليلة المقيمة هناك؛ آث مسعود، وآث عيسى، واعلي، وآث أومزيان، وآث بوطيح، وعائلة بلعزوق. ومن المرجح أن يكون قد اختار هذا المكان المقفر، من أجل التعبد والتصوف وإبعاد طلبته عن ضوضاء العمران، وأكد ذلك الحسين الورثلاني بقوله: "... ومنهم الشيخ العارف بالله تعالى الزاهد في الدنيا رأسا، المتخلي عنها نفسا، سيدي محمد بن قري، وقد اعتزل بأهله وسكن القلعة، في غيضة عظيمة، لا يسكنها إلا الوحوش، ينعدم الماء فيها، ومع ذلك فإنه بنى دوره في الأوعار من الجبل، مع بعدها من الوادي الى رأس الجبل، وبنى فيها مساجد بفضل الله، سيما الجامع الكبير فقد بناه بناء معتبرا، إلا إذا كان مثله في تونس، وأشار، رحمه الله، إلى أنها تصير مدينة قاهرة آخر الزمان، وقد تحمل المشاق العظيمة في مجاهدة نفسه وأهله وأولاده وأصحابه، وكان لا يفتر عن ذكر الله تعالى، طريقه صعب لا يسلكه إلا من نبذ نفسه وراء ظهره، وقد أدركته صغيرا"(1). هذا والجدير بالذكر أن الرحالة الحسين الورثلاني قد تزوّج بنت الشيخ الفقيه سيدي بركات، وهو من أحفاد سيدي محند أوقري(2).


 

وعقب سيدي محند أوقري خمسة أولاد وبنتا هم:

1- بركات، تنتمي إليه عائلات: بركات، قري، توتي، توازي بن حماده.
2- بلقاسم ، عقب بنتين.
3- حموده، تنتمي إليه عائلات: حمودة، بداني، كبير.
4- عبد المجيد، تنتمي إليه عائلات: باجي، عبد الحميد، موسي.
5- لونيس، تنتمي إليه عائلة بزاز.
6- بنت توفيت عازبة.

فضائل المعمرة:

واعتبارا لمكانة الشيخ سيدي محند أوقري السامقة في المجتمع، فقد ساعده السكان في بناء مؤسسته العلمية، بناءً جيدا بمواصفات عصره، وبطريقة فنية جميلة، أبدع فيها البناؤون في استعمال الحجارة المنحوتة، وتنميق  سقفها بالأخشاب والقرميد، زادها بهاء ورونقا. وخصص الطابق الأرضي للتعليم، والطابق العلوي مسجدا للصلاة، ولكل منهما مدخله الخاص، وقصد طلاب العلم هذه الزاوية حتى من خارج آث يعلى.


تخرج منها العديد من العلماء، أكثرهم من صلب أحفاده، منهم سيدي عبد الرحمن بن بركات، الذي رافق الحسين الورثلاني إلى البقاع المقدسة، وسيدي المدني بن حمودة بن قري الملقب بالقطب الرباني، وسيدي العربي لونيس، وسيدي محمد الصغير بن سنوسي، والشيخ الطيب أوقري، والشيخ الصالح أوقري، وغيرهم، اشتهروا بالإفتاء، وتوثيق عقود البيع والزواج، وتحرير محاضر اجتماعات المصالحة وتقسيم الميراث، ولاتزال عائلات أحفاد الشيخ محند أوقري تحتفظ بكم هائل من الوثائق والمدونات، أكدت نجاح هذه الزاوية في جعل اللغة العربية لغة عمل، وهذا خلافا لادعاءات الفرنسيين الذين شوّهوا تراثنا العربي الإسلامي، حين ربطوه بالشعوذة والدروشة. ونقدم هنا وثيقة عقد الزواج حررت سنة 1883م، تؤكد ما ذكرناه: "الحمد لله تعالى وحده، وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. إعلاما للواقف عليه أن حامله المكرم سي الطيب بن المرحوم سيدي الصغير بن باجي بن قري، شوّر ابنته زينب لما زفت لزوجها سي علي بن سي أحمد وَعْلي بن عماره تاماستي، ما قيمته 62 فرنكية ونصف، بين حايك صغير، وأسفايف، وتوناس من فضة، وقلادة فضية أيضا، وأفنيق بلوازمه، وغير ذلك. قوّم الجميع بالقدر المذكور. رد الاب المزبور ذلك لأبنته المسطورة بحضرة الكاتب محمد الصغير بن قري، وسي محمد الطاهر بن بوطيح، وسي السعيد بن باجي، وسي أحمد منـّه، وسي الربيع بن الربيع بن علجية، وسي سليمان بن عماره، وسي الطيب بن سي الطاهر بن عمارة، وسي السعيد معـّه.

وقع ذلك لتاريخ السادس رجب الفرد من شهور عام 1301هـ( 1883م)، واحد وثلاثماية بعد الألف"(3).

هذا وقد تأثرت زاوية سيدي محند أوقري بالكارثة الطبيعية التي ألمت بالجزائر في سنوات 1865 - 1866 - 1867 حينما ضرب الجفاف بقوة، أدى إلى انتشار المجاعة والأوبئة الفتاكة، فاضطر سكان القلعة إلى هجر قريتهم، ونزح أحفاد الشيخ  سيد محند أوقري إلى القريتين ثامالوث، وثيقرث القريبتين من القلعة. هذا وقد أطلعني الأستاذ عبد الحميد زاهير على مخطوط هام أشار إلى هذه المجاعة: "ولما ثبتت ديون مترتبة على المتوفى جوعا في السنة التي مات فيها خلق كثير من شدة الجوع، وأكل فيها الناس الحشيش والأحريش والميتة والدم، وغير ذلك من المحظورات الأكل في غير الضروري...".

ومن جهة أخرى، لم يهمل أبناؤه وأحفاده الأشغال الفلاحية، إذ استصلحوا الأرض، وأقاموا المصاطب لتلافي ظاهرة انجراف التربة، وبنوا حاجزا مائيا (أولميم)، وبئرا لتجميع المياه، وغرسوا الأشجار المثمرة كالتين والزيتون والرمان والإجاص، فحوّلوا الجبال ذات التضاريس الوعرة إلى بساتين غنّاء، تدر محاصيل زراعية وفيرة، ضمنت العيش الكريم لأهلها.

علاقة الزاوية بالثورة:

من الطبيعي أن تحتضن زاوية سيدي محند اُوقريُ الثورة َالتحريرية الكبرى التي اندلعت من أجل استرجاع السيادة الوطنية، واتخذها جيش التحرير مكانا مفضلا لعقد اجتماعاته، وفي يوم 8 ديسبمر1955م جرت معركة بقربها، كانت من أعنف المعارك، امتدّ لهيبها إلى قريتي ثيقرث، وثالاسوسث، وعلى إثر ذلك قام الجيش الفرنسي بتدمير وتخريب الزاوية، وتهجير سكان القرى المجاورة لها، فصارت تلك الأرض منطقة محرّمة، قصد عزل الثورة عن الشعب. ومن المعارك التاريخية التي شهدتها القلعة، معركة 8 مارس 1960م، بين الجيش الفرنسي الذي جند قوات برية وجوية كبيرة، وبين 10 مجاهدين كانوا تحت قيادة الشهيد الطيب عبد الحميد (المدعو الطيب أوباجي)، نالوا الشهادة ولم ينج منهم سوى هذا الأخير، وتكبّدت فرنسا خلال هذه المعركة خسائر فادحة في الأرواح والعتاد، إذ تم إسقاط طائرتين لايزال حطامهما في بوعفير، وإغزر أوذرغال  شاهدا على ضراوة القتال، علما أن المعركة دامت يوما كاملا.
 
 




الزاوية بعد الاستقلال:

شرع محند أكلي أوقري حمودة (1903 - 1975) في ترميم الزاوية منذ سنة 1965م، بمساعدة وزارة الشؤون الدينية والولاية والبلدية والمواطنين، وتضمن التجديد شق الطريق لفك العزلة عن الزاوية، ولم تنتهِ أشغال الترميم والتوسيع إلا سنة 1984م، أصبحت الزاوية بعد ذلك تضم المرافق التالية:

- الجامع حيث تقام الصلوات، وتلقى الدروس.
- المرقد يتكون من أربع غرف كبيرة.
- مطبخ ، ومخزن للمؤونة، وقاعة للإطعام.
- غرفة خاصة بوكيل الزاوية.
- أرض وقف محيطة بالزاوية، غير زراعية، ليس لها أي مدخول مالي، لكنها قابلة للاستصلاح.
ودشنت الزاوية يوم 3 مارس1987م، بعد تعيين معلم من طرف وزارة الشؤون الدينية، وتولى الأستاذ عبد الوهاب حمودة مهمة وكيل الزاوية. وفضلا عن ذلك، صارت الزاوية معلما تاريخيا يجلب الزوار باستمرار، يأتون من مناطق عديدة.

وفي الأخير، لابد من التنويه بجهود أحفاده الذين نجحوا في إعادة الحياة إلى هذه المؤسسة العلمية بعد الاستقلال، بمبادرة من السيد محند أكلي حمودة (1903 - 1975) ، ثم استلم منه نجله الأستاذ عبد الوهاب حمودة المشعل، كما تجدر الإشارة أيضا، إلى جهود الأستاذ عبد الحميد زاهير، الذي انكبّ على الحفر في الماضي، من أجل إنقاذ تراث هذا العالم العارف وأحفاده، المخبوء في الذاكرة الجمعية، والمخطوطات المبعثرة لدى عائلات كثيرة، وأرجو له التوفيق في سعيه هذا، وأملنا أن نراه مجسّدا في كتاب يثري صرح المكتبة الجزائرية. كما نرجو كل النجاح للجمعية الثقافية العلمية، التي أسسها أحفاد سيدي محند أوقري، بنيّة إعادة الإشراق إلى هذه المنارة بما يقتضيه العصر من أدوات وأساليب وأفكار جديدة، يساعد الزاوية (ثيمعمرث) على تغذية عقول الناشئة بأفكار الأصالة والمعاصرة والتجديد، لأن الأبناء مخلوقون لزمن غير زمن الأجداد.

ـــــــــــــــــــــــــــــ

مصادر الترجمة:

1- الحسين الورثلاني، نزهة الأنظار، مطبعة بيير فونتانة، الجزائر،1908، ص45.
2- مختار فيلالي، رحلة الورثلاني، دار الشهاب، باتنة، الجزائر، بدون تاريخ، ص16.
3- الوثيقة في حوزة الأستاذ عبد الحميد زاهير.
---
هوامش:

زاوية سيدي محند أوقري، المشهورة باسم ''الجامع أوقري''، في بلدية فنزات بولاية سطيف، على بعد أربعة كلم من مقر البلدية من الناحية الغربية، حيث تقع في أعلى جبل من جبال الناحية يسمّى بـ''القلعة''، المحاذي لمرتفع ''تلاسوست''، ويتوصّل إليها عن طريق معبّدة فتح سنة .1969 وتبعد عن عاصمة الولاية سطيف بحوالي 90 كلم، وعن مدينة برج بوعريريج بحوالي 45 كلم شمالاً.

تكملة الموضوع

.
مدونة برج بن عزوز © 2010 | تصميم و تطوير | صلاح |